أنا . . وشخصياتي

 

-1-

فتشت طويلاً في أعماقي

فإذا هي تحتوى على عدة أشخاص،

وليس شخصاً واحداً :

فهناك طفل الخامسة

ومراهق الحادية عشرة

وشاب العشرين

ورجل الثلاثين

وكهل الأربعين

ثم شيخ الخمسين . .

وإلى جانب هؤلاء جميعاً

هناك شخص يصعب تحديده تماماً

فهو يظهر بقدر ما يختفي

ويختفي بقدر ما يظهر

وكلما حاولت الإمساك به . .

تلاشى كالماء من يبن الأصابع

لكنه فى كل الحالات . . متواجد

يرمقنى أحياناً بغضب

وينظر لى فى أحيان أخرى . . بابتسام

وفى بعض المرات أراه بعيداً . .

لكنه فى مرات أخرى يقترب منى ويقترب

حتى يصبح هو أنا . . وأنا هو

-2-

 

الطفل الموجود فى أعماقى

مازال يرغب فى اللهو واللعب . .

تجذبه الدُمى والعرائس

وتأسره الألوان والأفراح

هذا الطفل مازال يعشق الجرى والسباق

ويتمنى لو يشارك الأطفال فى الشوارع . .

لعبة " الكرة الشراب "

وكم يشوقه أن يربت على القطط والكلاب

وأن ينفق قروشه القليلة

على ما كان يشتهيه بشدة

لدى بائع الذرة المشوية

وحمص الشام ، والعرقسوس . .

لكن هذا الطفل المنطلق . .

مازال يذكر القيود المفروضة عليه

فلا ينبغى أن يتأخر عند العودة . . قبل المغرب

ولا أن يصاحب من هم أكبر منه سناً

ولا أن يطلب ما يريد . . بصوت عالٍ

 

-3-

 

أما المراهق . .

فهو ذلك الفتى المنطوى على نفسه ،

حين أدرك أن جسده قد أصبح ينتفض ،

وأن بنت الجيران . .

ينبغى أن تكون له !

إنه ذلك الفتى

الذى راح يحسن من شكله ليعجبها

ويهذب من سلوكه ليتفوق على الأصدقاء

مازال هذا المراهق

يقف إعجاباً أمام الشعر المنسدل ،

والعيون الساجية

وعلى الرغم من مرور الزمن

وتباعد السنوات

فمازال يبحث عن فتاته الأولى

فى كل امرأة يقابلها . .

وهو لا يتعب من النظر والانتظار . .

تماماً كما كان يقف بالساعات

على ناصية الشارع

حتى تطل عليه من الشرفة

ويتلقى منها ابتسامة ساحرة !

-4-

 

وأما الشاب ،

فهو ذلك الإنسان الممتلئ بالأمل والطموح

المنكب على واجباته ،

بدون كلل أو ملل . .

المحاط بأصدقاء الصفاء والتضحية . .

والواعد بتحقيق الكثير والكثير . .

لم يتعثر هذا الشاب

وإنما ظروف الوطن

هى التى أطفأت فى نفسه الأمل

وملأت حياته باليأس

وهيأته ليكون شيخاً . . قبل الأوان .

وإذا كانت فترة الشباب

هى أجمل وأزهى فترات العمر

فقد مرت وسط تقييد الإضاءة فى المدينة

وأكياس الرمل أمام البيوت

وازدحام الناس فى المواصلات

وانكسار الحب فى الجامعة . .
 

-5-

 

ثم جاءت الكهولة الرزينة

نتيجة طبيعية للشباب الحزين

فاتسع مجال الرؤية

وتعددت وجهات النظر

وبدأ وميض الحقائق يلمع

وسط ضباب الزيف والجهل والادعاءات

وراح الكهل يلتقط الجوهر من بين الرمال

ويختزن لنفسه . . بعض ما يفيد .

وفى الغربة ،

أدرك أن الوطن يستحق الكثير

وأن التضحية من أجله . .

هى التى تجعل للحياة معنى .

وسط ضجيج المناقشات والمهاترات

حاول أن يرفع صوته قدر الامكان

وسمعه البعض ،

بينما أغفله الكثيرون

أما الحاقدون ، فكانوا يملأون المكان

وتلتصق أكتافهم ببعضها ، فلا تدع للنور ممراً . .

 

 

-6-

 

ومن العجيب

أن شيخ الخمسين

عاد أكثر قوة من شاب الثلاثين

فكافح وقاوم واستطاع أن يجد لقدمه مكاناً

وما لبث أن انتشرت أفكاره

التى جمعها ، وصقلها ، ونثرها

فى كلمات بسيطة . .

والناس دائماً وفى كل العصور

يميزون بين الصوت الصادق والرنين الكذاب .

وبدأ الشيخ يشعر بشئ من الرضا

لكن العصر كان يسير فى اتجاه آخر . .

فعاد إلى نفسه

يمارس هواية الانطواء والعزلة

ولا يوغل كثيراً فى ذكرياته

فقد كان ما يشاهده مبعثاً على التسلية .

ولم يعد هناك الصديق

الذى يتقاسم معه الهموم

فاكتفى بنفسه . .

يحاورها وتحاوره !

-7-

 

أما ذلك الشخص ،

الذى يكاد يشبه الزئبق

فهو مازال يظهر ويختفى . .

يظهر فى بعض المواقف

فيوبخنى بشدة

وأحياناً يعاتبنى برفق

وفى أحياناً ثالثة

يرمقنى بدهاء ، ويبتسم !

مأساتى معه . .

أنه يحضر عندما لا أريده

ويغيب تماماً عندما أرغب فى رؤيته !

اكتشفت أخيراً

أنه يقف وراء كل الشخصيات

الموجودة فى أعماقى

ويبدو أنه هو الذى يمسك خيوطها بيده

يحركها باقتدار

ويبقيها رغم الزمن ،

على قيد الحياة !

______

 

ABC@hamedtaher.com

Copyright © 2004, ( NeTSKiLL ). All Right Reserved