الإسلام هو آخر دين سماوي ، وهو يتميز بالبساطة ، ويمكن أن تتقبله بسهولة
كافة العقول ، ويتجه بتعاليمه إلى الإنسان فى كل زمان ومكان .
وبمجرد أن " يعلن " أى شخص " الشهادة " بأنه " لا إله إلا الله ، وأن
محمداً رسول الله " ، يصبح مسلماً ، يمتلك عدداً من الحقوق ، وتفرض عليه
بعض الواجبات، فى إطار نظام ديني واجتماعي وثقافي متكامل ، يراعى
المتطلبات المادية ، كما يستجيب للطموحات الروحية لكل من الفرد والجماعة
.
وبسبب سوء الفهم أحياناً ، والفهم المنقوص للإسلام فى كثير من الأحيان ،
وجدت من المفيد عرض المفهوم المتكامل للإسلام ، فى صورته الأولية ،
وتبعاً لتاريخ تكونه ، مع الاعتماد على مصادره الأساسية التى ترجع مباشرة
إلى القرآن الكريم والسنة النبوية .
وللإسلام أربعة مقومات رئيسية ، لا يتكامل مفهومه ، ولا يستقر نظامه إلا
بها، وهى : العقيدة ، والشعائر ، والأخلاق ، والتشريع .
والعقيدة
،
كما نعلم ، محلها القلب . وهى تتضمن الاعتقاد فى وحدانية الله ، خالق
الكون ، وحافظ نظامه ، والمطلع على خفاياه ، والمستحق – وحده – للعبادة
وما يصحبها من تضرع وتوبة ، واستعانة . . ، ثم الاعتقاد بالبعث بعد الموت
وما يشمله من حساب ، وما يتبعه من ثواب أو عقاب .
وقد حدد القرآن والسنة عناصر العقيدة فى : الإيمان بالله وملائكته ،
وكتبه ، ورسله ، وبالقدر : خيره وشره ، وباليوم الآخر .
والمطلوب فى العقيدة أن تكون راسخة فى قلب المسلم ، متمكنة من عقله .
وهنا تجدر الإشارة إلى أن القرآن الكريم يدعو كل إنسان أن يتثبت بنفسه من
"مصداقية" هذه العقيدة باستعراض التاريخ ، ومصائر الأمم السابقة ، والبحث
الدائم فى الكون ، وتأمل ظواهره الطبيعية . . حتى يكون إيمان القلب
مؤيداً باقتناع العقل .
وتحتل العقيدة فى القرآن مكانة أساسية ، باعتبارها المحور الذى تدور حوله
حياة المسلم ، وترتبط به . ومن المعروف أن الرسول
r
ظل فى مكة ثلاثة عشر عاماً ، يعلم الناس العقيدة .
وحوالى نصف القرآن الكريم يتحدث عنها ، ويعمل على تأكيدها . وفى سبيلها
استشهد عدد من المسلمين الأوائل رجالاً ونساءً ، تحت تعذيب المشركين من
أهل مكة ، الذين حاولوا بكل الوسائل أن يرجعوهم عن توحيد الله إلى عبادة
الأصنام .
والواقع أن العقيدة الإسلامية هى التى تعطى لحياة المسلم معناها وتحدد
غايتها. ففى الوقت الذى يتجه فيه بالخضوع إلى مالك السموات والأرض ، يشعر
أنه تحت عنايته ، وأن رحمته الحانية تحيط به من كل جانب . إن أعمال
الإنسان كلها – فى وجود العقيدة الإسلامية الصحيحة – تصبح متجهة نحو غاية
موحدة هى الحصول على رضا الله ، وتجنب سخطه ، وبالتدريج يتكون فى أعماق
المسلم نوع من الضمير الأخلاقى الفائق الحساسية لتشكيل مواقفه من الخير
والشر ، من الرذيلة والفضيلة ، وهو ما يعرف فى لغة الدين باسم " التقوى "
أما
الصوم
فهو عبارة عن الامتناع عن الطعام والشراب (والعلاقة
الجنسية بين الزوجين) منذ طلوع الفجر حتى غروب الشمس ، خلال شهر رمضان من كل
عام.
وقد ذهب البعض فقالوا إن الغرض من الصوم هو أن يحس الغنى بألم الجوع الذى
يعانيه الفقير . ولكن الصوم مفروض على جميع المسلمين سواء أكانوا أغنياء أم
فقراء . والأقرب إلى طبيعة هذه الشعيرة أنها تقوم بدور هام فى تعديل عادات
المسلم التى ربما تكون قد تكونت على مدى العام : فالملاحظ أنه خلال شهر رمضان
تجرى حياة المسلمين جميعاً على نمط واحد يختلف بالتأكيد عن بقية شهور السنة .
وبذلك فإن الفرصة تكون مواتية لمن ارتاح إلى عادة سيئة (كشرب القهوة ، أو
تدخين السجائر ...الخ) أن يقلع عنها بعد شهر رمضان ، الذى يفرض عليه الامتناع
عن الطعام والشراب وهما من الضروريات .
لكن هناك حكمتان تظهران بوضوح من الصوم ، الأولى أنه يعمل على تقوية الإرادة
الإنسانية لدى المسلم ، والإرادة تعنى هنا القدرة على القرار الذى يتخذه
الإنسان بنفسه للامتناع عن كل ما تدعوه المغريات إليه . فطعام الإنسان يكون
حاضراً بين يديه ولكنه يمسك عنه التزاماً لتعاليم الدين ، وتنفيذاً لأوامر
الله ، وهكذا فإنه إذا نجح فى امتناعه عن الحلال كان قادراً على الامتناع عن
الحرام ، مثل أكل أموال الناس بالباطل ، واشتهاء نساء الآخرين حراماً .
والحكمة الثانية للصوم تكمن فى إحياء الوازع الدينى (الضمير الإنسانى) . ومن
الواضح أن الصوم – من بين الشعائر الأخرى – هو العبادة ذات الطابع السلبى ،
بمعنى أن المسلم حين يؤديها لا تظهر على أعضائه ، مثل الصلاة والزكاة والحج .
فمن الذى يستطيع أن يميز بين شخص تناول إفطاره فى الصباح وبين شخص آخر لم
يتناول شيئاً ؟ ومن هنا كان الصوم " عبادة خاصة جداً " بين المسلم وربه ، لا
يطلع عليها غيرهما . وفيها يمتنع الرياء تماماً . الرياء هو أداء العمل
للتظاهر به أمام الآخرين ، حتى يكتسب الإنسان محمدة لديهم . لذلك يقول الله
تعالى فى حديث قدسى: " كل عمل ابن آدم له إلا الصيام ، فإنه لى ، وأنا أجزى
به "( رواه مسلم) .
إن هذا الوازع الدينى (الضمير) الذى يغرسه الصوم فى نفس المسلم هو ما سبق
الحديث عنه تحت اسم " التقوى " ، وهى عبارة عن الإحساس الدائم واليقظ بأن
الله تعالى مطلع على كل ما يجول بخواطرنا ، وليس فقط على ما نفعله أو نقوله
بعيداً عن أعين الناس .
ثم تأتى بعد الصلاة والصوم الشعيرتان الأخريان ، وهما الزكاة والحج : الأولى
لا تجب إلا على الأغنياء ، والثانية تجب فقط على من استطاع إليه سبيلاً .