من مؤلفات أ.د حامد طاهر

  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر

عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
   
 
الفلسفة الاسلامية ودورها المعاصر


الفلسفة الاسلامية ودورها المعاصر صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
الأحد, 09 مايو 2010 23:14

 


الفلسفة الإسلامية
ودورها الجديد فى العالم المعاصر

أد حامد طاهر(*)


الفلسفة الإسلامية هى مجموع الأفكار والآراء والنظريات والمذاهب التى نشأت وتطورت حول العقيدة الإسلامية ، وما تفرع عنها من قضايا ومشكلات استدعت ظهور فرق وشخصيات تجادل بعضها مع بعض ، كما تجادل بعضها مع أصحاب العقائد والمذاهب الأخرى التى عاشت فى المجتمعات الإسلامية القديمة

ومن المعروف أن هذه الفلسفة قد صدرت وتفاعلت مع المصادر الإسلامية الخالصة كالقرآن الكريم والسنة النبوية ، ثم مع ما تلقاه المسلمون من الثقافات والحضارات السابقة عليهم وبصفة خاصة الثقافة الإغريقية والحضارتين الفارسية والهندية ، إلى جانب ما تحاوروا حوله مع أصحاب الديانتين السماويتين : اليهودية والمسيحية

والواقع أن الفلسفة الإسلامية فى وضعها الذى وصلنا لا تقتصر على مجال واحد ، بل إنها تضم عدة مجالات أبرزها : الفلسفة ذات الاستلهام الإغريقى كما تمثل لدى الكندى والفارابى وابن سينا وأمثالهم ، وعلم المنطق كما ظهر عند ابن سينا والغزالى وابن رشد ، وعلم الكلام أو علم التوحيد كما تمثل فى ثلاث مدارس كبرى هى المعتزلة والأشاعرة والماتريدية ، وعلم مقالات الفرق كما ورد فى مؤلفات أهل السنة والشيعة والخوارج ، وعلم التصوف فى مظاهره المختلفة سواء كان لدى المحاسبى والمكى أو الحلاج والسهرودى وابن عربى ، وعلم الأخلاق كما تجلى عند مسكويه والسبكى وابن الجوزى ، وآداب البحث والمناظرة الذى ورد إلينا فى صورة رسائل قصيرة ولكنها شديدة التركيز ، أو تطبيقات عملية لدى العديد من مفكرى الإسلام وأبرزهم ابن حزم الأندلسى([1])

ولا شك أن الفلسفة الإسلامية قد قامت بأدوارها العديدة فى المجالات المذكورة خلال العصور السابقة ، وكان أهمها محاولة الرد العقلى على خصوم الإسلام بواسطة استخدام نفس الأدلة والحجج التى اعتمد عليها هؤلاء بعيدًا فى معظم الأحيان عن النصوص الدينية لعدم اعترافهم بها ، كما كان من أدوارها محاولة الرد على خصوم التيار العام المسمى بمذهب أهل السنة والجماعة ، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما قام به أبو حامد الغزالى فى الرد على طائفة الباطنية فى كتاب شهير ومفحم عرف بعنوان "فضائح الباطنية" ، وكان من أدوار الفلسفة الإسلامية الرئيسية محاولة التوفيق بين الدين والفلسفة التى وفدت على العالم الإسلامى فى مطلع الاحتكاك الثقافى الذى تم بين مختلف الشعوب والحضارات على عهد الدولة العباسية([2]) أما الدور الهام ، والذى لم يلق عليه حتى الآن ضوء كاف من الدارسين ، فهو انتشار علم المنطق الأرسطى فى دوائر التعليم ، والإفادة منه فى حركة التأليف العربية التى شاعت فى كل المجتمعات الإسلامية

ومما يلاحظ بوضوح أن مصطلح الفلسفة الإسلامية لم يجد لدى جمهور المسلمين القدر الذى كان يستحقه من الذيوع والرعاية ، وإن ظلت عناصر تلك الفلسفة موجودة ومستمرة ، وذلك على الرغم من رفض الفقهاء وأهل الحديث بالذات لمجال الفلسفة ذات الاستلهام اليونانى ، وهى التى هاجمها بكل قسوة شخصيات دينية كبيرة مثل الغزالى وابن تيمية وقد استمر هذا النكران لمصطلح الفلسفة الإسلامية بصفة عامة حتى العصر الحديث([3]) ، وعودة احتكاك العالم الإسلامى بأوربا وظهور الدراسات الاستشراقية التى راحت تلقى الضوء على بعض الأعلام المتميزين فى الفلسفة الإسلامية مثل الفارابى وابن سينا وابن رشد واخوان الصفا ، وابن خلدون (فى علم الاجتماع وفلسفة التاريخ) ، إلى جانب نشر العديد من مخطوطات الفلسفة الإسلامية وترجمتها إلى اللغات الأوربية الحديثة ، وهو الأمر الذى شجع الباحثين الجدد على مزيد من الاهتمام بالفلسفة الإسلامية ، وقيام الجامعات الأوربية بتخصيص الكراسى العلمية لأساتذتها ، وعقد المؤتمرات لمناقشة قضاياها ونظرياتها

والواقع أن جامعة القاهرة([4]) كانت هى أولى الجامعات العربية التى احتضنت تخصص الفلسفة الإسلامية ، واستقدمت لتدريسها بعض المستشرقين إلى أن نهض بها الشيخ مصطفى عبد الرازق وألف أول كتاب منهجى فى اللغة العربية بعنوان (تمهيد لدراسة الفلسفة الإسلامية) يتناول نشأتها ونظرياتها ، ويعرض لمستقبلها ، وعلاقتها الوثيقة بعلم أصول الفقه ثم تلا الشيخ مجموعة من كبار الأساتذة الرواد الذين شاعت بهم واستقرت الفلسفة الإسلامية فى الجامعات العربية والإسلامية ومنهم : أبو العلا عفيفة وعلى النشار ومحمود قاسم ومحمد البهى وعبد الحليم محمود وجورج قنواتى وعبد الرحمن بدوى الخ وبالتوازى مع ذلك ، كان للكتاب الذى ألفه محمد إقبال ، وترجم إلى العربية فى الخمسينات بعنوان (تجديد التفكير الدينى فى الإسلام) أثره الكبير فى الاعتراف النهائى بالفلسفة الإسلامية كمصطلح ، ومنهج ، وموضوعات داخل المجتمعات العربية والإسلامية الحديثة

ومن الجدير بالملاحظة أن رواد الفلسفة الإسلامية المحدثين من أمثال الأفغانى والكواكبى ومحمد عبده وشكيب أرسلان وأمثالهم قد واجهوا بكل شجاعة تلك الحملة التى أثارها الغربيون ضد الإسلام والمسلمين ، خلال القرن التاسع عشر وأوائل العشرين ، والتى كان ملخصها أن الدين الإسلامى قرين التخلف ، وحجتهم فى ذلك أنه بما أن المسلمين الحاليين – حينئذ – متخلفون سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا ، فإن السبب فى ذلك يرجع إلى تمسكهم بدينهم وكان رد هؤلاء الرواد جميعًا قويًا ومفحمًا ، حيث أن تخلف المسلمين الحالى حينئذ إنما يرجع إلى مجموعة من الأسباب كلها بعيدة عن الدين الإسلامى ، بل إنهم أجمعوا على أن السبب الرئيسى فى تخلفهم يرجع إلى عدم فهمهم وتمسكهم بالإسلام الصحيح ، الذى غطت عليه تصورات كثيرة وفاسدة عبر العصور ، أما السبب الثانى فهو أن الغرب الذى احتل بلاد المسلمين لفترات طويلة قد عمل على إبعاد المسلمين عن هذا الفهم الصحيح للإسلام من خلال تحكمه فى أنظمة الحكم والقضاء والتعليم الخ ويمكن لقارئ أن يجد نموذجًا واضحًا لتلك الأفكار فى رد الأفغانى على المستشرقين الفرنسى رينان ، وكذلك فى كتاب الكواكبى (أم القرى)

إن العصر الحديث للمسلمين يؤرخ له عادة ببداية القرن التاسع عشر الميلادى ومن المؤكد أننا لم نبحث حتى الآن عن (كل) العوامل الظاهرة والخفية التى أخرجت المسلمين من فترة الركود والجمود السابقة إلى هذا العصر السريع الإيقاع ، الممتلئ بالحركة والنشاط ، والمنفتح على ما يجرى فى مختلف أنحاء العالم ويمكننى أن أؤكد هنا أن (أفكار) النهضة ، والتقدم ، وضرورة إحياء الماضى التليد ، والأخذ بما فى العالم الحديث من منجزات المدنية والحضارة – تسرى بل وتتغلغل فى شرايين عوامل النهضة الحديثة وأوردتها وفى رأيى أن تلك (الأفكار) هى ما يمثل جانبًا هامًا من الدور الجديد الذى قامت به الفلسفة الإسلامية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، أما بقية جوانب دور الفلسفة الإسلامية الجديد فهو ما سوف نتناوله فى الفقرات التالية :

بيان المفهوم الصحيح والمتكامل لإسلام :

لقد تعرض الإسلام منذ ظهوره وحتى اليوم إلى خطرين كبيرين ، كان لهما أثرهما المباشر على فهمه لدى المسلمين من ناحية، وعلى طريقة عرضه وتناوله لدى غير المسلمين من ناحية أخرى وأول هذين الخطرين هو الفهم الخاطئ للإسلام ، وأقصد به الابتعاد عن حقيقة هذا الدين ، من خلال تأويل مقولاته الثابتة بالإضافة إلى تفسير نصوصه الواضحة بصورة شخصية أو مذهبية وقد وجد ذلك كله تربة خصبة فى التصورات الشعبية اللامعقولة والتى ظلت كامنة ومستقرة لدى المجتمعات التى اعتنقت الإسلام بدون استثناء أما الخطر الثانى (الفهم المنقوص) فقد كان وما زال يتمثل فى تجزئة المفهوم المتكامل للإسلام ، والتمسك فقط ببعض أجزائه مع إهمال الأجزاء الأخرى وقد كان السبب وراء هذا العمل دائمًا سياسيًا ، يسعى أصحابه للإطاحة بأنظمة الحكم القائمة ، ومحاولة إحلال أنظمة أخرى فى مكانها (الخوارج والشيعة) ولعل أوضح مثال على ذلك ما نشاهده حاليًا لدى معظم الجماعات الدينية من إعلاء (الجهاد) على جميع العناصر الأساسية الأخرى للإسلام

إن الإسلام فى مفهومه الصحيح والمتكامل يقوم على أربع مقومات رئيسية ، هى العقيدة والشعائر والأخلاق والتشريع ويهمنا أن نقول إن هذا الفهم ليس على الإطلاق شخصيًا أو مذهبيًا ، وإنما هو مستمد ومعتمد على المصدر الأساسى للإسلام : القرآن الكريم ، ثم على مصدره الثانى : السنة النبوية الصحيحة أما العقيدة فإنها تقوم على قاعدتين هما الإيمان بالله الواحد الأحد والإيمان بالبعث بعد الموت ولو أننا ذهبنا نستقصى السور والآيات القرآنية المكية بالذات لوجدناها تدور كلها تقريبًا حول هاتين القاعدتين (حوالى 63% من حجم المصحف الشريف) ، وأما الشعائر فإنها تتوالى على النحو التالى : الصلاة ، الصوم ، الزكاة ، الحج – وهذا هو الترتيب الذى نزلت به ، وفرضت بالتالى على المسلمين لكن المهم هنا أمران ، أولهما أن تؤدى هذه الشعائر بصورة صادقة وليست شكلية أو ظاهرية ، والثانى أن يتحقق مردودها الاجتماعى الذى يربط المسلم بسائر المسلمين ، حتى يصدق عليهم قول الرسول r أنهم فى توادهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد : إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى !! وأما الأخلاق فهى ما تضمه كلمة "الفضيلة" فى ردائها الرحب من صدق واستقامة ، ووفاء بالوعد ، والتزام بالعهد ، ونصرة للمظلوم ، وأمر بالمعروف ، ونهى عن المنكر وهنا نلحظ أن الأخلاق الإسلامية لا تحصر المسلم فى نطاق جماعته فحسب ، بل إنها تمتد لتشمل الإنسانية كلها ، بل إنها تقدم له أروع النماذج التى يتعامل بها مع الحيوان والنبات والجماد ، أى بالبيئة المحيطة بها وأما التشريع فهو عبارة عن مجموعة الأحكام التى تنظم حياة الجماعة الإسلامية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا وهنا لابد من الإشارة بوضوح إلى أن الإسلام قد جعل من التشريع مجالاً مفتوحًا لاجتهادات المسلمين لكى يتمكنوا أن يتصرفوا تبعًا لمصالحهم حسب ظروف الزمان والمكان ، ولعل هذا هو الذى جعل التشريعات الإسلامية قائمة على "المبادئ" فى حين أن تحديد التفصيلات لا يمثل إلا عددًا قليلاً جدًا من "الأحكام" أما بالنسبة إلى السياسة ، فقد وضع الإسلام ثلاثة مبادئ يهتدى بها المسلمون فى كل العصور ، وهى العدالة والمساواة والشورى ، تاركًا لهم الطرق والوسائل والأساليب والمناهج التى يحققون بها تلك المبادئ وبالنسبة للاقتصاد ، حرم عليهم ثلاثة مخاطر هى الربا والغش والاحتكار وبالنسبة للنظام الاجتماعى أوصاهم بالحفاظ على مؤسسة الزواج ، لكنه أباح لهم الطلاق عند الضرورة ، كما بين لهم بكل التفاصيل قواعد الميراث منعًا للظلم أو الاختلاف بين الأقارب وأما الأمن ، فهناك الجيش الذى يدافع عن حدود المجتمع الإسلامى من الخارج ، والشرطة التى تحفظ فيه الأمن من الداخل ثم قال للمسلمين جميعًا : كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته وهو مبدأ لو تم الالتزام به لتحقق حصر الشر فى أضيق نطاق ، ولما تطاير شرره من الفرد والأسرة إلى بقية أرجاء المجتمع ويبقى بعد ذلك كله – وليس قبله – مجموعة الحدود والتعزيرات للخارجين عن النظام العام للمسلمين ، وهى المتعلقة بالجرائم الكبرى والحوادث الأصغر ، ولكل منها عذاب "رادع" وميزة الردع أنه بالإضافة إلى عقاب المجرمين على ارتكاب جرائمهم ، فإنه يمنع غيرهم من الاقتراب منها وقد ثبت أن فى هذا الحسم أفضل سياج لحماية المجتمع ، وتحقيق الأمن الاستقرار لجميع أفراده

وهكذا بهذا العرض المختصر للمفهوم الصحيح والمتكامل للإسلام ، يمكن تمييز تلك الدعوات التى تملأ المجتمعات الإسلامية حاليًا ضجيجًا حول أمور جانبية أو هامشية ، وهذا ما يجعل المسلمين واقفين فى نفس مكانهم منذ قرنين من الزمان ، لا يتقدمون بينما العالم كله مندفع بأقصى سرعة من حولهم وهنا يبرز دور الفلسفة الإسلامية فى إعادة بيان هذا المفهوم ، وتنبيه المسلمين إلى الحقيقى والزائف من المشكلات الدينية التى يضيعون أوقاتهم وجهودهم فيها.

ثانيًا : الرد على الافتراءات الموجهة ضد الإسلام :

حين ظهر الإسلام فى القرن السابع الميلادى ، لم يكن العالم فارغًا من أعدائه ، الذين فقدوا بانتصاراته على أنظمتهم ودولهم الكثير من المكاسب ، لذلك فإنهم راحوا يتلمسون كل الوسائل للنيل من هذا الدين الجديد الذى كان السبب الرئيسى وراء خروج العرب من شبه جزيرتهم ليكسروا شوكة أكبر إمبراطوريتين فى العالم القديم وهما الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية البيزنطية وعلى الرغم من أن العرب – المسلمين فتحوا أيديهم لمصافحة الأعداء ، ودعوهم للعيش الآمن معهم ، إلا أن هؤلاء لم يهدأوا أبداً من الكيد للمسلمين ، ومن محاولة تشويه دينهم من خلال محاولات البحث والتقصى التى قام بها علماء اليهود والنصارى ، وما صدر عنهم من مقولات تشكك فى الدين الإسلامى ، ومعجزات رسوله ، الأمر الذى دعا عددًا لا بأس به من علماء المسلمين لكى يتصدوا لذلك ، وهناك مجموعة أدبيات جدلية فى هذا الصدد أشهرها وأكثرها حدة ما وصلنا فى مؤلفات كل من الغزالى وابن حزم الأندلسى.

لا مانع أبدًا من أن يتمسك أتباع كل دين بمعتقداته ، ولا ضير على الإطلاق فى أن يدافع علماؤه عنها ، ولكن المشكلة تأتى من محاولات بعضهم الهجوم على الأديان الأخرى ، ومحاولة التشكيك فيها وهنا تأتى لدعوة (الحوار بين الأديان) التى ارتفع صوتها فى الآونة الأخيرة ، بقصد تخفيف حدة الهجوم من أصحاب كل دين على الدين الآخر والواقع أن هذا الحوار (المزعوم) لن يؤدى إلى أى نتيجة إيجابية ، كما ثبت حتى الآن ، بل على العكس ، أنه سوف يزيد من اشتعال حدة الخلافات وبالتالى التعصب بين الأتباع الذين لا يكونون عادة على درجة من المعرفة والثقافة تؤهلهم لاستيعاب وجهات النظر المخالفة وإذا كان المسلمين يدركون جيدًا أن الإسلام هو آخر الأديان السماوية ، وأنه الدين الذى اختتم به الله تعالى رسالاته النبوية للبشر ، وأنه قد احتوى على ما جاء فى كل من اليهودية والمسيحية من عقائد وتشريعات إلهية ، رافضًا كل ما ألحقه علماؤهما بهما على مر العصور (مصدقًا لما بين يديه) فإن علماء اليهودية والمسيحية لا يعترفون بشئ من ذلك ، ويرى كل فريق أنه على الحق ، وأن غيره على الباطل وهم مع الأسف عند اجتماع الأديان الثلاثة يتحالفون ضد الإسلام !! لذلك فإن من مهمة الفلسفة الإسلامية حاليًا التصدى لكل ما يصدره علماء الأديان الأخرى من افتراءات تهدف إلى النيل من الإسلام ، وبالطبع لن يتأتى ذلك إلا بعدة شروط ، منها : تحديد الدعاوى الموجهة ضد الإسلام ثم تصنيفها وفحص أدلتها وحججها ، ومنها : معرفة المنهج الذى تتبعه تلك الدعاوى للإفادة منه عند الرد عليها ، ومنها ضرورة الرد على تلك الدعاوى بنفس اللغة التى تصدر بها ، وفى نفس الأماكن التى تنشر فيها قبل أن ننشرها فى العالم الإسلامى نفسه.

ولقد ساهمت بالفعل فى عمل من هذا النوع ، حين كانت وراء إصدار كتاب بعنوان "الإسلام بين الحقيقة والادعاء : رد على الافتراءات الموجهة ضد الإسلام "جمعت فيه بنفسى حوالى (35) ادعاء قديمًا وحديثًا ضد الإسلام ، ثم قمنا بعرضها على خمسة من كبار علماء الدين فى مصر للرد عليها ، وبعد أن أرسل كل منهم رده على حده ، قمت بالتنسيق بينها ، وإعادة تحريرها ، وبعد مراجعة الكتاب فى الأزهر الشريف ، ودار الإفتاء المصرية ، صدر الكتاب وأصبح فى أيدى الدبلوماسيين المصريين بالذات الذين يضطرهم عملهم إلى التحاور مع غير المسلمين حول القضايا المطروحة فى ذلك الكتاب ، الذى ثبت نجاح الطبعة العربية منه ، وأصبح مؤهلاً لكى يتم ترجمته على الفور إلى كل من اللغتين الإنجليزية والفرنسية ، ثم إلى اللغة الأوردية ، وقد سمعت أن ترجمة ألمانية وأخرى أسبانية فى طريقهما للظهور ، بالإضافة أيضًا إلى اللغة الماليزية.

ثالثًا : تأصيل فكرة التعايش بين الأديان

تقع على الفلسفة الإسلامية مسئولية التأصيل لفكرة التعايش بين الأديان ، وبيان مفهومها لأتباعهم ، الذين عادوا فى الآونة الأخيرة أشد عداء وكراهية لبعضهم البعض منهم خلال عصور التاريخ القديم ومن المعروف أن الأصل فى كل دين هو إقامة علاقة حميمة بين الإنسان وربه ، ثم بينه وبين سائر البشر من حوله والواقع أنه لم يدع دين من الأديان إلى معاداة البشر ، فضلاً عن التعصب الأعمى لمعتقداته الخاصة ، بل إنه كان يدعو الناس إليه بالحسنى ، ويترك مسألة اعتقادهم به لكل منهم ، وتبعًا لهداية الله تعالى له أما قصة الحروب الدامية التى وقعت أحيانًا بين أتباع الديانات فإنها ترجع فى المقام الأول إلى توسعات استعمارية ، كانت – وما زالت – تفرضها ظروف العصور المختلفة ، وتستغل فيها ضمن ما يستغل المشاعر الدينية التى توجج حماسة الجماهير وأوضح مثال على ذلك ما تمخضت عنه الدراسات التاريخية المتعمقة للحروب الصليبية التى شهدتها أوربا على المشرق العربى ، واستمرت قرابة مائتى عام، فقد كانت الدوافع السياسية والاقتصادية هى المحرك الرئيسى لها، بينما استغل الدين ليكون شعارًا أو بالأحرى قناعًا لتغطية تلك الدوافع الحقيقية ولكى نكون منصفين أيضًا لابد من إعادة النظر فى الدوافع الحقيقية أيضًا لفتح الأندلس ، وإنشاء تلك الدولة الإسلام التى استمرت ثمانية قرون ، ثم ما لبثت أن زالت أركانها ، وتبعثرت ريحها ، ولم يبق منها سوى بعض المعالم المعمارية الجميلة !!

إن أهمية التعايش بين الأديان فى الفترة الراهنة ، وكذلك المستقبلية ، ترجع إلى أن المسلمين فى شتى أنحاء العالم يتعرضون لحملة عداء شاملة يقودها معسكر غالب ، يهدف إلى السيطرة عليهم ، والتحكم فى مواردهم ومصادرهم ، وفى سبيل ذلك ، يستخدم كل وسائل الكيد والتشويه ، ويكاد يقلب الحقائق ، بل انه يقلبها بالفعل ، فيزعم أن الإسلام هو دين الإرهاب ، وأن المسلم المتمسك بدينه لا يصلح للإندماج فى الحضارة الحديثة ، بل إنه يكاد يقول : أن العالم سيكون مكانًا أفضل لو استبعد منه المسلمون ! ولا شك أن الواقع من ناحية ، والحقائق من ناحية أخرى تكذب تمامًا هذه المزاعم فالإسلام هو دين السلام والإخاء والتعاون بين جميع البشر ، سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين والمسلم الحقيقة هو الذى لا يؤذى أحدًا بلسانه ولا بيده ، بل إنه الإنسان الذى يبعد الأذى من الطريق لكى لا يتضرر به أحد !

من هنا يصبح على الفلسفة الإسلامية مهمة أن تستخرج تلك الحقائق الناصعة ، ليس من الدين الإسلامى فقط ، بل من سائر لأديان السماوية الأخرى ، التى يتعادى أتباعها لمجرد شائعات مغرضة ، أو بسبب جهل فاضح ، ثم تنشرها على الناس فى صورة مقارنات محددة ومن ذلك على سبيل المثال :

- موقف الأديان السماوية الثلاثة من الدعوة للدخول فى كل منها ؟

- موقفها من التعامل مع غير المنتمى إلى دين منها ؟

- موقفها من ممارسة الشعائر الدينية فى العلن ؟

- موقفها من معاملة المرأة ؟

- موقفها من عقاب الخارجين على النظام العام ؟

- موقفها من الأنظمة السياسية والاقتصادية ؟

- موقفها من عادات المجتمع وتقاليده ؟

وإذا كانت هذه مسائل مطروحة للدراسة المقارنة ، فإنها لا تعنى أن تحاول الفلسفة إثبات تفوق دين على غيره ، وإنما يظل الهدف هو توعية الناس على اختلاف معتقداتهم بحقيقة الأديان السماوية وإمكانية التعايش بين أتباعها ، بدلاً من التعصب الذى يؤدى إلى الصدام والمقاتلة.

رابعًا : حوار الثقافات

لا يوجد فى العالم كله ، فى العصر الواحد ، سوى حضارة واحدة أما الثقافة فإنها تتعدد بتعدد المجتمعات ، بل إنها تتنوع بالاختلافات بين المجموعات العرفية والجغرافية والدينية داخل المجتمع الواحد ، بل إن الثقافة تكاد تتنوع بتنوع الأفراد أنفسهم أما الحضارة فهى عبارة عن مجموع وسائل التقدم المادى ، وأنماط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تعم العالم كله لذلك فإننى لا أتردد فى أن أعلن هنا خطأ المصطلح الذى راح يشيع مؤخرًا وهو حوار الحضارات "على أساس أنه لا توجد فى وقت واحد حضارتان يمكن التحاور بينهما ، وإنما الصحيح أن يقال إن الحضارات تتداخل ، لكن الغلبة تكون عادة لحضارة واحدة ، هى التى تشيع على مستوى العالم كله ، أو على الأقل ، بين أكبر عدد من شعوبه المتمدنة وهكذا يصبح من واجب الفلسفة الإسلامية أن تبين هذا المفهوم ، وأن تعلنه بكل وضوح لأولئك الذين يضيعون جهودهم وأوقاتهم فى إقامة بنيان لا أساس له أما محاولة الموازنة أو المقارنة بين الحضارات فمكانه الدراسات التاريخية المقارنة ، ولا يدخل فى ذلك الجدل الدائر حاليًا بين الغرب والمسلمين ، والذى حاول كل من هينتجتون ، وفوكوياما أن يرسخه من خلال تلك الآلة الإعلامية الأمريكية الهائلة وفى تصورى أن هذه المحاولة شريرة الدوافع ، لأنها تريد أن تقول للأسد الأمريكى إن هناك أسدًا إسلاميًا آخر يريد أن ينقض عليك ، مع أن الحضارة الإسلامية قد ضعفت منذ مئات السنين ، وجاءت بعدها الحضارة الغربية الحديثة التى يعيشها العالم حاليًا ، بل ويعيش المسلمون أنفسهم فى إطارها وتكاد هذه المسألة تكون طبق الأصل من الحكاية التى درسناها فى المدرسة الابتدائية عندما حاول الأرنب الذكى التخلص من الأسد ، فأوهمه أن هناك أسدًا آخر ينافسه يعيش فى بركة مجاورة ، وعندما اصطحب الأسد إلى هناك ، نظر فى الماء فوجد خياله فانقض عليه ، ظانًا منه أن هذا هو منافسه العنيد !!

لا يوجد إذن ما يسمى حوار حضارات كما لا يوجد حوار أديان ، وإنما الممكن وجوده بالفعل هو حوار الثقافات ، الذى يتطلب أولاً : محاولة فهم ثقافة كل مجتمع أو جماعة ، ولا شك أن الفهم الجيد يستلم المعايشة الطويلة والتعاطف إلى حد ما مع أصحاب تلك الثقافة ثانيًا : عدم الاستهزاء بعناصر أى ثقافة أخرى والاستعلاء عليها ، لأن كل ثقافة ترتبط عضويًا بمكونات اجتماعية وجغرافية وتاريخية إلى جانب معتقدات راسخة ثالثة : القيام موضوعيًا بعرض تلك الثقافة فى كل جوانبها ، دون إصدار الأحكام عليها ، وأن يترك ذلك لأصحابها الذين من حقهم وحدهم أن يعدلوا منها أو يهذبوا عندما يطلعون على ثقافات الشعوب الأخرى وهكذا يمكن أن يصبح لدينا متحف لثقافات العالم المعاصر ، يمكن وضع كل منها فى لوحة ، تمامًا كما نضع اللوحات الفنية فى متحف لكى يزوره الناس من كل أنحاء العالم إن مثل هذا العمل الذى هو من صميم مهمة الفلسفة الإسلامية جدير بأن يزيد من "حالة التعارف" بين المجتمعات التى فرقت بينها أنماط الحضارة الحديثة ، وجعلت كلاً منها لا يكاد يرى فى المرآة سوى ذاته.

خامسًا : تمييز المشكلات الحقيقية من الزائفة

منذ ظهور ثورة المعلومات والاتصالات ، أصبحت المجتمعات تشهد حشدًا هائلاً من المعلومات والمعارف لم يسبق لها من قبل ، كما راحت السلطات الحاكمة فيها تستغل تلك الثورة فى توجيه الرأى العام والتحكم فيه من خلال طرح أو فرض مشكلات عليه ، قد لا تكون هى مشكلاته الحقيقية ، لكى ينشغل بها ، ويظل يعمل على حلها ، فى نفس الوقت الذى من المعروف أنه لا يوجد لها حل ، لأنها فى الأصل ليست أكثر من مشكلات زائفة وقد كان هذا العمل يحدث فى الماضى ، لكن درجة تأثيره وانتشاره لم تبلغ المدى الذى أصبحت تبلغه فى الوقت الحاضر ، نتيجة سيطرة وسائل الإعلام الحديثة (الصحافة ، والإذاعة ، والتلفزيون ، والسينما ، والإنترنت) وتأثيرها القوى فى الحياة اليومية للأفراد والمجتمعات.

من هنا أصبح طرح المشكلات الزائفة "فنا" قائمًا بذاته ، لا يدرك خطره ، ولا الآثار المترتبة عليه سوى العاملين فيه ، والقائمين على إعداده وتنفيذه بصوره المتقنة ، التى لا يبدو للجماهير أبدًا أنها مصنوعة أو بتعبير أدق : مفبركة وهنا يأتى دور الفلسفة الإسلامية التى ينبغى أن تبين للناس الفروق لأساسية بين المشكلات الحقيقية والمشكلات الزائفة لكى لا ينساقوا وراء محاولة حل هذه الأخيرة بلا طائل من ذلك ما حدث فى تاريخ المسلمين العقائدى والفكرى القديم خاصًا بمشكلة خلق القرآن ، التى قسمت المجتمع الإسلامى فى عهد الدولة العباسية إلى الفريقين كبيرين يتهم أحدهما الآخر ، بل ويعذب بعضهما بعضًا.

وفى العصر الحديث ، ما أكثر المشكلات التى يطرحها الإعلام وتشجعها السلطات المحلية على الناس لكى يتحدثوا فيها ، ويختلفوا بالتالى حولها ، ثم يروح كل منهم لإبداء رأيه ، وقد يهاجم فى عرضه من يختلف معه ، وتستمر تلك المعركة "الوهمية" شهورًا بل وسنوات ، ثم تنجلى أخيرًا عن حقيقة مرة للجميع ، يدركون عندها أن المشكلة التى كانوا يعالجونها لم تكن حقيقية ، بل إن مشكلاتهم الحقيقية سواء فى المجال السياسى أو الاقتصادى هى التى كانت تستحق المناقشة ، وطرح مختلف وجهات النظر ويكفى أن يفتح المواطن العربى التلفزيون أو الراديو لكى يستمع إلى برامج لا نهاية لها حول أزمة الأغنية ، وأزمة السينما ، وأزمة المسرح ويشاهد شخصيات تتناقش بكل حماسة حولها ، دون أن يصلوا فى النهاية إلى شىء محدد ، وذلك فى الوقت التى تظل المشكلات الحقيقية كالبطالة والعنوسة والتسكين والصحة والتعليم والبيئة فى مكانها منذ عشرات السنين ، ولا يوجد نقاش جاد حولها ، وبالتالى لا حل لها !!

الفلسفة الإسلامية إذن هى القادرة على التمييز بين هذين النوعين من المشكلات ، وتبصير الناس بأى منهما إذا ظهرت على الساحة ، وهى القادرة أيضًا على توجيه الأنظار إلى أسباب المشكلات الحقيقية وتطوراتها وخطورتها فى إمكانية التحول إلى أزمات قد يصعب بل يستحيل أحيانًا حلها.

سادسًا : تأصيل الاتجاه العقلى

يقول الفيلسوف الفرنسى ديكارت إن "العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس" وهذا يعنى أن الناس قد يختلفون فى أمور كثيرة ، كالأجسام والأشكال والألوان ، لكنهم يتفقون فى مستوى إدراكهم العقلى لكن المشكلة لم تكن أبدًا بسيطة فقد اختلف الناس عقليًا على مدى العصور وما زالوا يختلفون فما السبب ؟ الواقع أن بعض الناس يتكاسلون على تشغيل عقولهم ، ويكتفون بتصديق الأمور الشائعة دون تمحيص ، وبعضهم الآخر لا يطبق المنهج الصحيح لاستخدام العقل ، وبعضهم الثالث تكون له مصلحة شخصية فى التحليل أو الدوران حول الحقيقة العقلية التى لا تستجيب لمصلحته وهذه الطرق المتعرجة كلها هى التى تزيد من خلافات الناس فى المسائل العقلية المحددة ولهذا السبب قام أرسطو (قبل الميلاد بثلاثة قرون) بأروع محاولة لوضع قوانين عقلية يتفق عليها البشر جميعًا ، ولا يمكن لأى (عاقل) أن يجادل فيها ، وسمى تلك القوانين (علم المنطق) الذى ظل مسيطرًا على العقول قرابة ألفى عام بعد ذلك ، وما زالت قوانينه صحيحة فى مجالات معينة ، كالتعريف ، والتقسيم، والتصنيف ، والقضايا المباشرة الخ أما المنهج الذى حل محل منطق أرسطو فكان هو "المنهج التجريبى" الذى تقدمت به – وما زالت – حركة العلوم التى نشهد نتائجها على كل المستويات حاليًا

وهنا نقول إن من واجب الفلسفة الإسلامية أن تبين للناس فى الوقت الراهن مسيرة العقل الإنسانى عبر العصور ، والقوانين الثابتة المرتبطة به ، أو النابعة منه (مثل أن الكل أكبر من الجزء ، أو أن الشىء لا يكون موجودًا فى مكانين مختلفين فى نفس الوقت ) وكذلك خصائص وخطوات كل من المنهج العقلى والمنهج التجريبى الذى يقود الإنسان إلى المعرفة الحقيقية ، وليست المعرفة المزيفة ، أو المعرفة حسب الشائعات إن الإنسان المعاصر من حقه أن يسأل من يحدثه بأى حديث قائلاً : على أى شىء اعتمدت فى حديثك هذا ؟ وما هو الدليل الذى يجعلنى أصدقك ؟ وبهذا السؤال تصبح كل سلطات المعرفة المفروضة على الإنسان المعاصر معرضة للفحص ، وعادة الفحص ، والتمحيص ، والتساؤل ، بدلاً من الخضوع لها كمسلمات لا يمكن مناقشتها ومن حسن حظ الفلسفة الإسلامية أن الدين الإسلامى نفسه قد جعل العقل مستندًا له ، وطالب الناس جميعًا بأن يستخدموا عقولهم ، بل وساق القرآن الكريم الكثير جدًا من الحجج والأمثلة المحسوسة لكى (يقنع) بها الناس ، مع أن الإيمان فى نهاية الأمر ليس إلا ومضة روحية تضىء الكيان الإنسانى كله ، وتكاد تتجاوز بأشعتها حدود العقل !

لكن يبقى أن تأصيل الاتجاه العقلى لدى المسلمين ، وغيرهم ، يظل صمام الأمان الذى يمنع ، أو على الأقل يحد من فورة الاختلافات المرتبطة دائمًا بالتعصب الأعمى ، أو بالحرص على المصالح الشخصية ، أو بفرض المذاهب ذات الأغراض السياسية ، وقد سبق أن عانى المسلمين من ذلك كثيرًا ، فعندما حاولت بعض تلك المذاهب أن تأخذ العامة لجانبها اخترعت "مبدأ التأويل" الذى يقرر أن لكل كلمة ظاهرة المعنى : باطنًا آخر لا يدركه إلا العارفون بحقائق الأمور ! وهكذا أصبح لكلمة لشمس أو القمر أو البحر معان أخرى بعيدة كل البعد عما وضعت أو استخدمت من أجله ، ومن المقرر أن شيئًا كهذا ما كان ليحدث إلا فى غيبة العقل ، وعدم وضوح المنهج العقلى الصحيح لدى جماهير المسلمين ، نتيجة خفوت صوت الفلسفة الإسلامية التى لم تكن فى معظم الأحيان موضع ترحيب من حكام المسلمين أنفسهم !!


خاتمة :

لقد مضى الزمن الذى كان المسلمون يعيشون فيه منعزلين عن بقية أنحاء العالم ، مكتفين بما ورثوه عن أجدادهم العظام ، واتسعت دوائر المعرفة اتساعًا لم يشهده العالم من قبل ، وأصبحت وسائلها وأجهزتها فى متناول الجميع ، وجعل الإعلام المعاصر من العالم قرية صغيرة ، بمعنى أن أى حدث يقع فى أى جزء منه يعرف بل ويشاهد على الفور فى أى مكان آخر وقد كان المأمول أن تؤدى هذه التطورات مجتمعة إلى مزيد من التعارف بين الشعوب ، وتهدى المشاعر المتنافرة بين المختلفين ، لكنها مع الأسف لم تؤد إلى النتيجة المرجوة ، لأن عوامل الفرقة والاختلاف ، التى يقف وراءها التعصب ومحاولات السيطرة والإخضاع ما زالت موجودة ، بل وفاعلة ، وتكاد تهدد بحرب عالمية ثالثة وهنا لابد أن يمسك كل قادر بشعلته لكى يزيح بها ظلام النفق الذى تسير فيه الإنسانية وفى تصورى بل فى يقينى أن الفلسفة الإسلامية بمفهومها الجديد ، الذى طرحته باختصار فى هذا البحث ، وبتوجهاتها الخمسة التى حددتها ، يمكنها أن تكون واحدة من قوى التنوير الحقيقى فى عالمنا المعاصر.

 

آخر تحديث الاثنين, 07 فبراير 2011 02:29