من مؤلفات أ.د حامد طاهر

  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر

عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
   
 
بعث الروح الاسلامية فى امم الشرق


بعث الروح الاسلامية فى امم الشرق صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها Administrator   
السبت, 31 ديسمبر 2011 19:25

بعث الروح الاسلامية فى أمم الشرق
عند محمد إقبال


أ . د حامد طاهر

 


 

 

سبق أن كتبت عن (منهج) محمد إقبال فى دراسة الفلسفة الاسلامية مستخلصا إياه من كتابه الذى ترجم إلى اللغة العربية بعنوان " تجديد التفكير الدينى فى الاسلامى " وقد قارنته بالمنهج عند كل من الشيخ مصطفى عبد الرازق ، والدكتور ابراهيم مدكور . والثلاثة يعتبرون من رواد دراسة الفلسفة الاسلامية الذين درسوها بمنهج حديث فى النصف الأول من القرن العشرين ، وقد سار على مناهجهم معظم دارسى الفلسفة الاسلامية الذين أصبحوا فيما بعد أساتذة فى الجامعات المصرية والعربية ، وصار لهم عشرات التلاميذ الذين يسيرون على خطاهم حتى اليوم .
وفى هذا البحث سأحاول أن أرصد وأحلل بعض أشعار محمد إقبال التى كتبها بالفارسية من خلال ديوان بعنوان " والآن ماذا ينبغى أن نفعل يا أمم الشرق " الذى قام بترجمته إلى العربية زميلى وصديقى الأستاذ الدكتور يوسف عبد الفتاح ، والذى يبذل جهودا مشكورة فى ترجمة مؤلفات إقبال إلى العربية ، فجزاه الله عن قرائها خير الجزاء .
يحتوى الديوان على ثلاث عشرة قصيدة ، وتشيع فيه روح اسلامية صادقة ، حاول محمد إقبال أن ينفثها فى نفوس المسلمين فى الشرق لكى يدركوا ذاتهم ، ويتعرفوا على حقيقتهم ، ويتخلصوا من تبعيتهم الخانعة للغرب .
وفى البداية يؤكد إقبال على أهمية العقل فى حياة المؤمن ، ولكنه يحذر فى نفس الوقت من ( بغى العقل ) ..
أريد أن أرسل جيشا جديدا من ولاية العشق
لدفع خطر بغى العقل على الحرم
ثم يستدرك قائلا :
لا تظنّن أن العقل لا وزن له ولا حساب
إن نظر العبد المؤمن يقوم على العقل .
وهو يتحدث فى (التمهيد) عن الشيخ الرومى ، ومن الواضح أنه يقصد جلال الدين الرومى صاحب المثنوى ، الذى يقول على لسانه :
إن الأرواح صارت حرم الأسرار ،
واستيقظ الشرق من النوم العميق
وهو فى رأيه الذى :
مَنَح جذبة جديدة ، فحطمت القيود القديمة
ثم يخاطبه ، وهو فى الواقع كأنما يشير إلى نفسه قائلاً :
أيها العالم : لا يعرف أسرار الإفرنج سواك
ولا يستطيع الخوض فى نارهم إلا أنت !
بعث الروح الاسلامية عند إقبال يعتمد على عدة ركائز أساسية ، أولها : الايمان الصادق الممتزج بدقات القلب ، ثانيا : العقل المدرك لحقائق الشريعة الاسلامية ، والواعى ماضى العالم الاسلامى وحاضره ، ثالثا : التنبّه لخطورة المتربصين بالاسلام والمسلمين ، وعلى رأسهم الغرب ، الذى لا يدرك أسرار الروح ، وفكره متعلق فقط بالجسد ، المكون من الماء والطين ! ثم إن هذه الركائز الثلاثة تكتسى بعنصرين يمدانها بالحرارة والحيوية وهما : العنصر الصوفى ، وعنصر الخيال الشعرى .
يقول إقبال :
إن حياة الأمم لا تكون إلا بجذبات القلب ، الذى يحسبه قصير النظر جنونا
ولم تفعل أية أمة شيئا تحت قبة السماء اللازوردية بدون " الجنون فنون " !
وبالطبع لا ينبغى أن يفهم من ذلك أن محمد إقبال يدعو إلى الخروج من إطار العقل ، وإنما هو يدعو بكل قوة إلى استخدام الخيال المبدع ، الذى يكتشف غوامض الكون ، ويخترع الأساليب والأدوات التى تساعده على تسخيره ، والإفادة الكاملة منه .
كذلك فإن " المؤمن الحق " ، لدى إقبال ليس هو الإنسان الضعيف ، المتواكل وإنما :
المؤمن قاهر بالعزم والتوكل
وإن لم يتمتع بهاتين الجوهرتين فهو كافر !
وهو الذى يميز الخير من الشر ،
ويتزلزل العالم من نظرته
وتتهشم الجبال من ضربته ،
ويختفى آلاف الثوار فى طيات جيبه !
وبالنسبة إلى أهل الدنيا وعشاقها ، والمنغمسين فى ظاهرها الحسّى ، فإن محمد إقبال يؤكد :
إن أهل الدنيا لا خيال لهم ولا قياس ،
ولا يميزون بين الحصير والحرير !
ويدعو إقبال الشاعر الاسلامى الحقيقى إلى أن :
يوضح معنى السياسة والدين لأهل الحق ،
وأن يعيد التوضيح لهاتين الحكمتين !
وفى قصيدته ( خطاب إلى الشمس المضيئة ) يقول :
أنت ضياء الصبح ، وأنا غروب اليوم
فاشعلى سراجا فى ضميرى
وأنيرى ظلمة ترابى ، واستريه فى تجلياتك
حتى أحيل ليل أفكار الشرق نهارا ،
وأشعل صدور أحرار الشرق
وأصوغ النغمات من خام الطبع ،
وأفتح الأيام دورة أخرى
كى يتحرر فكر الشرق من الإفرنج ،
ويكتسب من شعرى مياها جديدة ، ولونا آخر ..
الهدف إذن واضح : وهو " إحالة ليل أفكار الشرق إلى نهار ، وإشعال الجذوة فى صدور أحرار الشرق " وهنا تظهر أهمية عمل العقل ، وتحريك الفكر الراكد :
حينما يتعطل فكر شعب ، تتحول الفضة النقية فى يده إلى فضة مزيفة .
ويموت القلب السليم فى الصدر ، ويبدو فى نظره الشئ المستقيم معوجا !
ويلجأ محمد إقبال إلى الفكرة التى أطلق عليها صوفية المسلمين مصطلح " التخلية قبل التحلية " ويقصدون بها أن يبدأ المريد بتطهير نفسه أولا من كل العلائق والشوائب التى تربطه بالمادة ، وبملذات الحياة الدنيوية تمهيدا لملئها وإعادة ملئها بكل الأخلاق المرضية التى تقربه من الله تعالى . يقول إقبال :
إذن فلابد – بداية – من (تطهير الفكر) ،
وبعد ذلك يصبح (تعمير الفكر) سهلا .
وفى قصيدة أخرى بعنوان (حكمة الكليم) يؤكد إقبال أنه :
عندما يفنى المؤمن فى رضا الحق ، يصبح هو قضاء الحق
ويخرج من ضميره الطاهر : عالم جديد له جهات أربع ،
فضاؤه أزرق !
ونحن عندما نقرأ هذه الأبيات نستحضر على الفور قول الله تعالى ، فى حديث قدسى : "ما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به ، وبصره الذى يبصر به ، ويده التى يبطش بها ، وقدمه التى يمشى عليها" . وتجدر الإشارة إلى أن كلا من ابن عربى ، وعبد الرحمن جامى قد أفاض فى بيان هذا الحديث القدسى ، وتطبيقاته فى حياة الكثير من الأولياء .
وفى مقابل حكمة أهل الحق والدين ، يخصص إقبال قصيدة لأضدادهم : أهل الحقد والمكر والخداع ، بعنوان "الحكمة الفرعونية" التى تقوم على تخريب الروح واعمار الجسد ، كما تبتعد تماما عن الدين ، وتحول التعليم إلى رسوم ومظاهر ونظام يجعل السادة عبيدا فى التفكير ويجعل شيوخ الدين يؤولونه ليخدم مراد الحكام ، وهم بذلك يشطرون وحدة الأمة ، وفى مثل هذه الحالة ، تصبح الأمة محرومة من الصادقين الغيورين ، ويتحول الجميع إلى شخوص ذوى أرواح ميتة فى أجسادها ، كالموتى فى قبورهم . الكبار منهم غرباء عن الحياة ، والشباب مشغولون بالجسد مثل النساء :
الآمال مضطربة فى قلوبهم ، ولدوا موتى من بطون الأمهات 
بناتهم أسيرات طرتهن وزينتها . لا حياء عندهن ،
معجبات بأنفسهن ، منتقدات للغير .
متصنعات ، مختالات ، مائلات ، حواجبهن مرققات كالسيفين !
سواعدهن الفضية قوت الأنظار ، صدورهن بادية للعيون كالأسماك تحت الماء .
شعبهم صار رمادا بلا شرر ، وصار صبحهم أحلك سوادا من الليل
عمله وفكره رغبة فى العيش ، وخوف من الموت .
أغنياؤه بخلاء ، عاشقون للحياة ، غافلون عن الجوهر ،
مشغولون بالقشر والعرض .
معبودهم فرمان الملك ،
ونفعهم وربحهم فى خسران الدين والإيمان
لم يتجاوز فكرهم حدود اللحظة الراهنة ، وليس لهم تصور للغد فى زمانه .
لديهم كتب يعىَ بحملها البعير من أيام أجدادهم
فآه من قوم ، غافلة قلوبهم ،
ماتوا ولم يعلموا بموتهم !
إن هذا الوصف التفصيلى لهؤلاء الأضداد ، المخاصمين للحق ، والبعيدين عن إطار الدين هو ما يجعل محمد إقبال يندفع بكل قوة وجرأة لبعث الروح فى نفوس الأمة الاسلامية التى تمتلك - وحدها – كلمة التوحيد " لا إله إلا الله " وهى التى تعد :
ميزان حياة الكائنات ، وبها فتح باب تسخيرها
وهو يرى :
أن أمة لا تضئ حياتها بكلمة التوحيد ، لا تستطيع تجديد حياتها .
إن ضربات كلمة التوحيد – كما يقول إقبال – حررت العالم كله من الللاة ومناة ، وبها تحطمت كل أبنية الطواغيت القديمة ، وهلك بسببها كسرى وقيصر . وقد كانت كلمة التوحيد أحيانا كالبرق والأمطار تغزو الصحراء ، وأحيانا أخرى كالطوفان تغزو البحر .. لقد أضاءت العالم الذى كان كدير قديم ، حتى بدا عالما جديدا .. ولقد طهّر أهلها لوح القلب من عبادة غير الله ، وحرروا الإنسان من التعددية . إن الحياة لا تستقر عند مقام (لا) وإنما تسير نحو (إلا) .. فب(لا .. وإلا) يستقر أمر الأمم ، ولكن النفى فقط بلا إثبات موت الأمم .. وأخيرا فإن كل من كان فى يده سيف " لا إله إلا الله " فإن جميع الموجودات تأتمر بأمره .
وفى قصيدة بعنوان " الفقر " يحمل بكل قوة على الزهاد والصوفية المتخاذلين ، مبينا لهم أن الفقر ليس هو انعدام المال ، أو الزهد فى الدنيا ، وإنما هو :
نظرة ثاقبة وقلب حى
إنه عبارة عن تدبر أحوالك ، والطواف حول " لا إله "
الفقر هو الذى فتح خيبر مع خبز الشعيرة
الفقر ذوق وشوق وتسليم ورضا ، ونحن أمناء على ميراث المصطفى هذا .
الفقر يعطى الخاملين ذوق الطيران ، ويعطى البعوضة قوة النسر
الفقر يجعل الفقير يناقش السلاطين ،
وتتزلزل عروشهم من عظمة حصيرته
ويثير كامن الجنون فى الأمة ،
ويخلصها من قيود الجبر والقهر
قلب الفقير ملئ بالقوة والجذب ،
وصيحته أمام السلطان : لا ملوك !
والنتيجة :
إنه لا تهلك أمة ما دام فيها فقير واحد
إن هذا الفقير الذى يتحدث عنه إقبال هو الإنسان المسلم الذى يتجرد من قيود الدنيا الزائلة ، ليتمسك بقوة الحق واليقين ، ويواجه أعتى الصعاب معتمدا على إيمانه القوى بالله تعالى . إن قوة الدين فى عز الفقر ، وإذا كان الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، قد أرشدنا إلى أن وجه الأرض كلها مسجدى ، فأى مأساة تلك التى أوقعت المسلمين فى أيدى الآخرين ... وعلى ذلك ، يصبح المؤمن الطاهر هو الذى يبذل قصارى جهده لكى يخلص مسجد مولاه من الأسر !
ويخاطب إقبال المتزهدين الذين يدّعون ترك الدنيا ، قائلا لهم : إن تركها هو تسخيرها ، وليس تدميرها . الدنيا هى صيد المؤمن . فهل يمكن أن يقال للصقر البازى : اترك صيدك ! ويؤكد إقبال أن الفقر هو ما يقره القرآن الكريم ، وليس كما هو شائع فى رقص وسكر وشعر وربابات .. وإذا سئلت عن فقر المؤمن فقل : إنه تسخير الجهات ، ويصير العبد المؤمن مولى لجميع الصفات !
وإذا تساءلنا : ماذا حدث للأمة الاسلامية ؟ يجيب إقبال :
منذ ثلاثة قرون ، وهذه الأمة مسكينة ذليلة ،
تحيا بلا سرور ولا حرقة قلب
أصبح الفكر خسيسا ، والذوق أعمى ، فحرم معلموها الشوق
وحرمت مدارسها منه
لدرجة أنه لم يعد الإنسان فيها يعلم شيئا عن مقامه ومنزلته
ومات ذوق الثورة فى قلبه
صار طبعه بلا صحبة لمرشد خبير ، سقيما لا يقبل الحق
حتى إنه جعل العبد المفلس الماكر السافل مولاه
ليس لديه المال الذى يأخذه السلطان ،
ولا نور القلب الذى ينزعه الشيطان !
هو مريد لشيخه اللورد الأفرنجى ، وإن تغنى بمقام (بايزيد)
ويناشد إقبال الإنسان المسلم ، التائه عن مقامه ومكانة وطنه ، قائلا بأعلى الصوت :
كن نفسك : رجلا للحظة
وكن أجنبيا مع الأجنبى
أيها الجاهل عن اللحن والصوت
اعرف جنسك ولا تطر مع الغربان !
ثم يختم القصيدة بقوله :
خذ حظك من فقرى ،
فلن يأتى بعد الآن فقير مثلى !
أما قصيدة (الرجل الحر) فهى تصف ملامح المسلم الجديد الذى يريده محمد إقبال لكى ينهض بالأمة الاسلامية ، وتنهض به :
الرجل الحر .. رأسه فى كفه عند النزال ، وليست فى جيبه مثلنا
ضميره منير ب (لا إله إلا الله) فلا يصير عبدا لسلطان ولا لأمير
إنه يحمل الأثقال كالإبل ، ويأكل الحسك
يضع قدمه فى كل موضع بحساب وقوة ،
ويكاد يقفز وريده من شدة نبضه
روحه تخلد بالموت أكثر من الحياه
ولحن تكبيره خارج عن إطار العرف والصوت
نحن نعرف سر الدين بالخبر ، ويعرفه هو بالنظر
هو فى الدار ، ونحن خارج الباب
هو عبد الله ، ونحن جميعا عبيد الافرنج !
فكرنا دائما فى الدنيا ، ونهايتنا ليست سوى الموت
أما هو فثابت فى الدنيا المتأرجحة ،
وموته أحد مقامات الحياة !
هو فى يوم الصلح كنسيم الربيع على المرج الأخضر ،
أما فى يوم الحرب فيحفر قبره بسيفه
ليس لك فى هذا العالم ..
سوى أن تتعلق بأذيال هذا الرجل ،
وأمثاله الأحرار !
ويمثل فهم الدين فهما صحيحا وعميقا إحدى الركائز الأساسية فى البعث الاسلامى المنشود لدى محمد إقبال . يقول فى قصيدته بعنوان (أسرار الشريعة) :
إن حفظ المال ضرورى من أجل الدين
وتلك حكمة لا يدرك معناها كثير ممن يمتلكون الذهب والفضة ، الذين ينحصر همهم فى جمع المال ونكديسه فى خزائنهم ، ولذلك فإن تجديد روح الأمة لا قيمة له عندهم ، فهم مقلدون يحافظون على القديم ويدعمونه ،
الباطل فى نظرهم صواب ، لأنهم يخشون معارك الثوار
السيد يأكل خبز العبد الأجير ،
ويريق ماء وجه ابنته !
إن اصلاح الأمة لا يأتى إلا من فارغى الأيدى ،
وفسادها يأتى من المنعمين المترفين .
وما لم نعرف حكمة الأكل الحلال ،
فحياتك وبال على جماعة المسلمين !
وبعد أن يستطرد إقبال إلى المقارنة بحال أوربا التى لا تدرك حقيقة هذا المقام الدينى ، لأن عيونها لا تنظر بنور الله ، ولا تميز بين الحرام والحلال ، يؤكد للمسلمين أن :
الشرع ينهض من أعماق الحياة .
وإذا أردت أن ترى أعماق الدين واضحة ،
فلا تنظر إليه إلا من أعماق الضمير
وإن لم تفعل .. فدينك هو الجبر ،
ومثل هذا الدين لا يرضاه الله
ويستمر إقبال فى دعوة علماء الدين إلى الخروج من مجالسهم المحدودة إلى فضاء العالم الرحيب ، لكى ينشروا الإسلام ، ويكتشفوا أسرار الشرع المبين ، حتى لا يصبح أحد فى هذا العالم محتاجا إلى أحد ، وهو يعلق على هذا قائلا :
هذه هى أسرار الشرع المبين وحسب !
أما العلماء الذين لجأوا إلى التأويل ، فقد خمد ميزانهم فى الضمير ، وبالتالى لم يعودوا قادرين على التواصل مع الشباب والتأثير فيهم . يقول إقبال :
لقد وُجد فى عصرى من لا يرى فى القرآن سوى نفسه ، وكأنه نبى !
كل واحد منهم عالم فى القرآن والحديث ، إلا إنهم قليلوا الدراية بالشريعة
جعلوا العقل والنقل تبعا لأهوائهم ، فمنبرهم منبر " أكل العيش " وحسب !
وفى قصيدته (دموع بسبب فرقة الهنود) تصل اللهجة الثائرة لدى إقبال أقصى مداها . وفيها يقول :
إن الأمة التى لا تأكل السم من أجل المجد سوف يمحى مكانها من خريطة الوجود .
وهو يحدد وضع الهند المتردى بسبب الاستعمار البريطانى قائلا :
اختلف الهنود مع بعضهم ، وأثاروا الفتن القديمة
حتى جاء الأفرنج من الغرب ، لكى يكونوا وسيطا بين الكفر والدين
فما عاد المرء يفرق بين الماء والسراب ،
فالثورة .. الثورة .. الثورة !
أما قصيدة (السياسة الحاضرة ) فتصف أسلوب الإستعمار الماكر ، والذى يخدع أبناء الوطن بقشرة من الحرية بينما هو يحكم القيد على رقابهم . يقول إقبال :
يحكم الاستعمار القيد على العبيد ، ويعدّ ذلك حرية لهم
وعندما رأى شعارات الجمهورية براقة ،
أسدل الستار على الملكية
وقال : إن السلطة جامعة للأقوام ، فبدا نقصها !
لا يستطيع أحد أن يطير فى فضائها ،
كما لا يستطيع أحد فتح بابها بمفتاحها !
ويحذر إقبال مواطنيه بألا ينخدعوا بمعسول حديث المستعمر ، فإن حديثه كله زيف :
فقد عميت العيون من كحله ،
فالعبد معه أشد قهرا من ذى قبل
حذار من شرابه اللذيذ ،
وحذار من مجالستهم فى قمارهم السّئ
الرجل الحر لا يغفل عن ذاتيته ،
فاحفظ نفسك ولا تتناول الأفيون
واعتمد على نفسك فى هذا الطريق ،
لأن الرجل لا يصطاد الغزال .. بالكلب الأعمى !
ويكاد إقبال يصرخ من تحسره على حال قومه الذين خلت قلوبهم من الايمان الحقيقى ، القائم على اليقين :
آه من القوم الذين عميت أعينهم ، فتعلقت قلوبهم بغير الله ، فضاعوا
إذا كانت (الذاتية) فى صدر الأمة انهارت ولو كانت كالجبل
أما إذا كان فى أساسها " لا إله إلا الله " ولد من بطنها المسلم
ذلك الذى يمنح اليقين للمرتابين
ذلك الذى تتزلزل الأرض من سجوده
ذلك الذى يعلن " لا إله إلا الله " تحت ظلال السيوف . ويكتبها بدمه !
أما قصيدة (خطاب إلى الأمة العربية) فيحمل فيها إقبال على العرب مشيرا إلى جهلهم بماضيهم العريق ، وبذاتيتهم الحاضرة ، ثم بانخداعهم بأسلوب حياة الغرب الذى استعمر أرضهم ، وفرق مجتمعهم الواحد إلى العديـد من المجتمعـات المتفرقة الغريبة إحداها عن الآخر .. وفى البداية ، ينادى إقبال العرب قائلا :
يا من ملكهم باق إلى الأبد ،
يا من أطلقوا صيحة "لا كسرى ولا قيصر"
من الذى كان أول قارئ للقرآن فى هذا العالم المترامى الأطراف بالأمس واليوم ؟!
ومن الذى علم الدنيا سر "إلا الله" ؟!
ومن الذى أشعل هذا السراج لأول مرة ؟!
ومن الذى أطعم الناس على مائدته العلم والحكمة ،
ومن الذى نزلت فيهم آية "فأصبحتم" ؟!
والإشارة هنا إلى الآية الكريمة { فاصبحتم بنعمته اخوانا } سورة آل عمران آية 103
ثم بعد أن يعدد بعض مناقب الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، ويشيد بسيف صلاح الدين الأيوبى ، ونظرة بايزيد ، والمنجزات الحضارية الرائعة التى مازالت قائمة ، ومعبرة عن مدى ما وصل إليه المسلمون من حضارة ورقى مثل : قصر الحمراء فى أسبانيا ، وتاج محل فى الهند " التى يدفع الزوار الخراج لأهلها طوعا " يصارح إقبال العرب قائلا :
لقد تقدمت الأمم بسعيها ، وأنت أيها العربى لا تعرف قيمة صحرائك
كنتم أمة ، فصرتم أمما ، وأصبحتم متفرقين غرباء حتى عن أنفسكم
كل من تحلل من قيد ذاتيته فقد مات ،
وكل من أسلم زمامه للغرباء فقد مات .
لقد فعلت بنفسك ما لم يفعله أحد ،
فتألمت روح المصطفى الطاهرة من فعلتك
يا من صرت جاهلا بسحر الغرب ،
انظر : إن الفتن كامنة تحت ثوبه
فإذا أردت الخلاص من خداعه ،
فعليك أن تطرد إبله عن حياضك !
لقد وضع الشعوب فى فمه ،
ومزق الوطن العربى مائة دويلة
منذ وقع العرب فى قبضته ،
لم تتمتع سماؤهم بلحظة واحدة من الأمان
فانظر إلى عصرك يا صاحب النظر ،
حتى تعيد روح عمر ، رضى الله عنه ، إلى بدنك
إن قوة الجماعة من الدين المبين
والدين عزم وإخلاص ويقين !
ويمكن القول هنا إن الشاعر الملهم هو الذى يتمكن من وضع يده بدقة على مواطن الداء فى أمته ، كما يمكنه أيضا أن يشخص المرض وربما نبه إلى علاجه ، والشفاء منه . ويكفى أن نتأمل قول إقبال فى هذه القصيدة الرائعة عن العرب وأحوالهم :
منذ وقع العرب فى قبضته (الاستعمار)،
لم تتمتع سماؤهم بلحظة واحدة من الأمان
لكى ندرك حقيقة واقعة ، ومع ذلك فإنها قد تغيب عن معظم العقول التى ترصد وتحلل ، والكثير منها يتفلسف ويتفزلك !
كذلك فإن الشاعر يؤكد أن الحل موجود ومتاح :
إن قوة الجماعة من الدين المبين
والدين عزم وإخلاص ويقين !
وفى قصيدة إقبال التى اختار عنوانها ليكون هو عنوان هذا الديوان الهام (إذن ماذا يجب أن نفعل يا أمم الشرق)يضع خلاصة تجربته وثقافته السياسية التى أدرك من خلالها حقيقة الغرب أو موقفه المعادى من أمم الشرق باعتبارها مجالا واسعا لاستعماره واستغلاله ، محاولا بكل الطرق تحطيم ذاتيته ، وتفريق شعوبه ، وجعله دائما فى مكان التابع الذليل له . لذلك فهو يستهل القصيدة بقوله :
لقد أنّت الإنسانية من جوْر الغرب ، وذبلت الحياة بسببه !
وهو يؤكد :
أن أوربا هوت بحد سيفها ، منذ رسمت طريق الإلحاد تحت القبة الزرقاء
وهكذا يضع محمد إقبال الصراع بين الغرب والشرق على بساط الدين واللادين ، وليس فقط على بساط الاستعمار والاستغلال فيقول :
إن عقل الغرب وفكره لا يفرق بين الخير والشر ،
وعيناه جامدتان ، وقلبه صخر أصم .
العلم فى الحواضر والبوادى فى خجل منهم ،
بل إن جبريل قد صار إبليس من صحبتهم !
علم الغرب سيف بتار قد صنع لإهلاك النوع الإنسانى
فآه من الغرب ! وآه من قوانينه ! وآه من فكره الإلحادى !
وهو يدعو المسلم ، الذى يعرف الفرق بين الروح والجسد ، أن يحطم سحر هذه المدنية الملحدة ، وأن ينتزع السيف من قبضة قاطع الطريق ! وهنا يعبر إقبال عن مضمون رسالته الشعرية ، والعقلية أيضا حين يخاطب هذا المسلم :
انفث روح الشرق فى جسده ،
حتى تصير هذه الروح مفتاح قفل المعنى ..
إن الإنسان العقلانى ربانى مادام فى حكم القلب ،
فإذا تحرر منه صار شيطانا !
وهذا ما حدث فى أوربا ، التى أصبح شرعها هو شرع الغابة ، وهو الذى جعل لحم الحمل حلالا للذئاب . أولئك الذين يصفهم إقبال بأنهم " سارقو الأكفان ، ونباشو القبور " !
وهو يخاطب ابن الشرق ، والمقصود بالطبع هو المسلم الحقيقى :
يا أسير الألوان انتبه !
كن مؤمنا بذاتك ، وأكفر بالغرب
فزمام النفع والضرر بيدك أنت ،
وكرامة الشرق وعزته فى يدك أنت .
وحد شتات هذه الأمم العريقة ،
وارفع راية الصدق والصفاء عاليا
فقوة الأمة تكمن فى وحدتها ..
ولا تقتصر دعوة محمد إقبال للمسلمين إلى النهوض بذواتهم ، والتماسك من أجل وحدتهم ، وعدم الاغترار بحضارة الغرب الزائفة ، والتى تخفى سمها القاتل فى العسل الذى تقدمه للشعوب الشرقية المقهورة .. بل إنه يعمل على المقارنة بين الطرفين ، مشيدا بالحضارة الإسلامية التى أشرقت بنورها على العالم كله فأضاءته :
نبت العلم والدين فى أرض الشرق
رفعنا الحجاب عن الكائنات
فالشمس منا ونحن من الشمس !
جوهر كل صدف من ربيعنا ،
وشوكة كل بحر من قوة طوفاننا
كشف فكرنا أسرار الوجود ،
وكنا أول عازف على أوتار الكون ..
وينبه محمد إقبال المسلم إلى عدم الانخداع بمنتجات الغرب فيقول :
يا غافلا عن شئون هذا العصر ،
تأمل مهارة الأيدى الأوربية
نسجوا السجاد من حريرك ، ثم أعادوه إليك مرة أخرى
فانخدعت عينك بظاهره وبأصباغه الزائفة !
وهو يتأسى على حال المسلم ، الذى نزع (العلماء الجامدون) من قلبه "جذبة الدين" أو بالأحرى شعلته التى كانت تضئ العالم من حوله ، حتى صار مثل العبد الذى يرسف فى أغلاله ، ويستجدى من الغرب خبز الشعير . يقول إقبال :
تجولت بين العجم والعرب ،
فرأيت قلة أتباع المصطفى ، وكثرة أتباع أبى لهب
هذا المسلم مضئ القلب ، الذى يضئ ضميره بدون سراج
كالحرير نعومة ولطفا فى شبابه ،
تموت الرغبة فى صدره ،
وهذا العبد أبو العبد بن العبد ..
فكره فى الحرية حرام !
أخذ أهل العلم جذبة الدين منه ،
ولا يعلم من وجوده سوى أنه كائن حى
فنسى نفسه ، وتعلق بالغرب ، يطلب منه خبز الشعير !
وفى ختام الديوان ، يضع إقبال قصيدة مناجاة للرسول ، صلى الله عليه وسلم ، يخاطبه فيها بأسى وحرقة ، ويعترف أمامه بصدق وانكسار ، ويشكو إليه حال الأمة التى أصبحت مريضة كالغزال الضعيف ، وعلاجها صعب للغاية ، لكنه يظل بيد الله تعالى ، القادر على أن يهب المسلمين عبدا من عباده المحبين يجلى لهم حقيقتهم ، ويلم شملهم الممزق فى أرجاء العالم ثم يقول :
ما دام ليس لى فى غير الله أمل ،
فإما أن يجعلنى سيفا للحق ، أو مفتاحا للخير
ويتحدث عن نفسه قائلا :
إن لى فى فهم الدين فكرا قويا ،
لكنه لم يثمر فى تربيتى
فاعط فأسى حدا حادا ،
إذ أن محنتى أشد من صخور الجبال
وأنا مؤمن ، لست منكرا لذاتيتى التى تحطم الخرافات ،
لأننى نقىّ الجوهر .
وإن كانت تربة عمرى قد خلت من المحصول
فإننى مازلت أملك شيئا .. وهو القلب
أخفيه عن أعين الناس ،
لأنه ختم بخاتم حبك
ويختم مناجاته قائلا :
يا من وهبت صلاح الدين شجاعة العرب ،
إقبل طلبى لأكون فى حضرتك
أنا العبد الذى صار كالشقائق حمرة من الألم ،
ولا يدرى أصحابه عن ألمه شيئا
أنا العبد الذى صارت أناته كأنات الناى ،
واحترقت روحه بنار النغمات !
قد راحت القافلة وخلفتنى فى الصحراء كعود يحترق ، ومازال
فهل ستأتى قافلة أخرى .. فى هذه الصحراء الشاسعة !
ومن جانبنا لا يسعنا بعد هذه الجولة السريعة فى ديوان محمد إقبال ( والآن ماذا ينبغى أن نفعل يا أمم الشرق ) إلا أن نسجل مدى الصدق الذى تفيض به قصائد الشاعر ، والذى يدق بشدة على أبواب القلوب ، فيجعلها تنتفض من رقدة الكسل والجهل والتخاذل ، لكى تتحرك نحو الاعتزاز بماضيها ، والاحساس بذاتيتها ، والتقوّى بإيمانها ..
لكن الشاعر لا يعتمد فقط على صدق عاطفته وشفافية روحه وإنما يجعل من العقل مقياسا لمعرفة الحق من الباطل ، والخير من الشر ، والحرية من العبودية ، والاستقلال من التبعية للمستعمر الماكر والمخادع . إن العقل الواعى هو أهم ما يعتمد عليه محمد إقبال فى توعية المسلمين المعاصرين بالأخطار المحدقة بهم ، وهو لا يتردد عن الكشف عن أهم أسباب التخلف والانحطاط الذى أصابت حضارتهم .
وليس الدين عند إقبال مجرد شكليات ومظاهر ، بل إنه إيمان عميق يسرى فى كيان المسلم كله فيجعله أحد من السيف ، وأقوى من الصخر ، وأعتى من الطوفان .. وأن كلمة "لا إله إلا الله" التى تتضمن عدم الإذعان أو الاقرار بالعبودية لغير الله تعالى هى المفتاح الذى يفتح به المسلم كنوز العالم ، ويسخرها من أجل خير الإنسانية جمعاء .
والتصوف الذى يصبغ الشاعر به دعوته الدينية ليس هو أيضا ما يظهر به أدعياء الزهد فى الدنيا ، وإنما هو "الجذبة" أو الجذوة الروحية حين تملأ الشعائر التى يتجه بها المسلم نحو الله فى صلاته ، وخاصة عند سجوده الذى تتزلزل منه الأرض ، وترتعش منه الطواغيت !
أما الحضارة الإسلامية فهى الخلفية التى تظهر فى المشهد الذى يرسمه محمد إقبال للمسلم المعاصر . تلك الحضارة التى ابدعت الروائع التى ماتزال شاهدة حتى اليوم بمدى ما وصل إليه الأجداد من علم واتقان . وفى هذا المجال يشار إلى قصر الحمراء الموجود فى مدينة غرناطة باندلس الأمس ، وأسبانيا اليوم ، وكذلك تاج محل فى الهند . ومن الجدير بالذكر أن محمد إقبال يلاحظ أن زوار هذه الأماكن يدفعون الخراج طوعا لأهلها !
وبالنسبة إلى الغرب ، وطليعته أوربا التى يعرفها إقبال جيدا ، تبدو الصورة المضادة تماما للعالم الإسلامى .. أوربا التى أغارت عليه ، فبددت قوته ، وأستنزفت موارده ، واستعبدت أبناءه ، وحملت موارده إلى مصانعها ثم أعادت منتجاتها لتبيعها لهم بأضعاف ثمنها .. ومع ذلك فإنها لم تتوقف عن أن تورّد للمسلمين الضلال والانحلال والإلحاد ، وتشيع بين شعوبهم الفرقة والتخاذل .
إذن لن ينهض العالم الإسلامى المعاصر إلا إذا تخلص من تبعيته للغرب ، هذا الغرب الذى يشبهه محمد إقبال بالذئب الذى يوصى الحمل بأن يبنى حظيرته فى فنائه ! والواضح تماما لدى الشاعر أن التعارض بل التضاد قائم وسيظل بين الغرب والعالم الإسلامى ، لأن منطلقات كل منهما مختلفة تماما . فالغرب لا يعترف إلا بحضارة الجسد ، بينما العالم الإسلامى كله يقوم تصوره على أن الإنسان ، أكرم المخلوقات ، مكون من جسد وروح . وهذا يعنى أننا أمام طرفين أحدهما تقوم حضارته على الإيمان بالله الواحد ، والطرف الآخر ميّال بطبعه وحضارته إلى الإلحاد !
وأخيرا فإن تميز الشاعر محمد إقبال يكمن – بالإضافة إلى فكره الثاقب ، وتحليلاته الدقيقة ، وملاحظاته الواعية – فى صوره الشعرية التى تضفى على أبياته جمالا وروعة ، وتبث فيها روحا وحيوية ، وتجعلها تنتقل بين العقول والقلوب ، وتمتزج بالنفوس والأرواح . ومن المقرر أن هذه الخصائص تقف وراءها موهبة شعرية متكاملة العناصر والأدوات .          

آخر تحديث السبت, 23 أغسطس 2014 14:49