من مؤلفات أ.د حامد طاهر

  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر

عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter
   
 
سياسة الدولة الرشيدة عند الماوردى


سياسة الدولة الرشيدة عند الماوردى صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
الأحد, 17 يوليو 2011 18:13

 

 

سياسة الدولة الرشيدة عند الماوردى

 

أ . د . حامد طاهر

 

 

( هذا البحث مهدى الى كل الحكام العرب والمسلمين لمعرفة

مايجب عليهم نحو شعوبهم ، وما يراعون به ضمائرهم امام الله .. )

 


تمهيد :

 

 

 

قليل جدًا هم المفكرون المسلمون الذين كتبوا فى السياسة . وعلى الرغم من أهميتها القصوى لنظام الحياة وتطور المجتمع ، فقد وجد معظم المفكرين المسلمين أنفسهم مضطرين للابتعاد عنها ، نظرًا لما وجدوه من استئثار الحكام بها ، وحرصهم الشديد على ألا يتطرق إليها أحد من الرعية بكلمة واحدة ، حتى ولو كانت نصحًا خالصًا ، فما بالك حينما تكون انتقادًا صريحا .

 

 


إن نظام الحكم الذى استقر فى الدولة الإسلامية منذ عهد الأمويين ، وطوال عهد العباسيين ، وانتهاء بعهد العثمانيين قد جعل من السياسة شأنا خاصًا بالحكام وحدهم ، يضعون أصولها كما يشاءون ، ويطبقون إجراءاتها حسب قدراتهم وأمزجتهم ، مستعينين فى ذلك بجهاز ضخم من الفقهاء الذين لم يسكتوا فقط عن أفعالهم ، وإنما استطاعوا أن يوجهوا الناس إلى الاشتغال بفروع وتفصيلات من الحياة الدينية والاجتماعية دون الاقتراب بأى شكل من الحياة السياسية أو الاقتصادية التى يقوم عليها نظام المجتمع ، ويتحقق تطوره.

 

 

 

فماذا كانت النتيجة ؟ أننا لا نجد فى التراث الفكرى الذى وصل إلينا سوى عدد قليل جدًا من المفكرين المسلمين ، الذين تطرقوا للشأن السياسى ، أو كتبوا فيه . ولا يكاد يبلغ هذا الدور القليل أصابع اليدين(1) بينما بلغ المشتغلون بالتراث الفقهى والكلامى والصوفى والنحوى والبلاغى آلاف العلماء ، الذين تركوا لنا مئات الآلاف من الكتب . لذلك عندما يحاول المسلمون المعاصرون أن يرجعوا للتراث السياسى للمسلمين – بعد عصر الخلفاء الراشدين – لكى يستعينوا به أو منه على حل مشكلاتهم الحالية لا يكادون يظفرون بنظرية سياسية واحدة ، أو حتى بنظام واحد متكامل الأركان(2) .

 

 

 

لكن هذا لا يعنى أن الإسلام فى مصادره الأساسية (القرآن الكريم والسنة النبوية)  يخلو من الفكر السياسى . كلا .. وإنما هو يحتوى على (المبادئ) السياسية التى يمكن أن يستعين بها المسلمون العقلاء فى وضع (النظام) الذى يناسب حياتهم فى أى زمان وأى مكان يوجدون فيه . وهذا ما يغيب عن أذهان الكثيرين . فالِشأن السياسى دائمًا متغير ، وهو مرتبط بالظروف المحدودة بالزمان والمكان . ومن هنا فإن الإسلام لم يضع أو لم يحدد نظامًا ثابتًا لشأنٍ متغير ، وإنما وضع مبادئ ثابتة لأنظمة يمكن تغييرها وتعديلها حسب ظروف الزمان والمكان . وهذه النقطة الدقيقة هى التى تغيب عن أذهان معظم المسلمين(3) .

 

 

 

إن مبادئ الإسلام فى السياسة تشمل (العدالة ، والمساواة ، والشورى) . ومطلوب من المسلمين تحت أى نظام سياسى يختارونه لأنفسهم أن يحققوا فى واقعهم هذه المبادئ الثلاثة . ولا شك أن بدونها جميعا ، أو حتى بغياب مبدأ واحد منها لا يمكننا أن نصف النظام القائم فى المجتمعات الإسلامية بأنه نظام إسلامى صحيح أو متكامل .

 

 

 

لذلك ينبغى التنويه ، بل والإشادة بكل مفكر إسلامى تناول الشأن السياسى ، بصورة كاملة أو حتى جزئية .. بصورة مباشرة أو حتى تلميحية . لأن هؤلاء – وكانوا قلة كما أشرنا – هم الذين استطاعوا ، رغم كل الأوضاع المتمكنة والسائدة فى مجتمعاتهم ، أن يثقبوا جدار الصمت السياسى ، وأن يسجلوا بشجاعة نادرة آراءهم السياسية ، التى لم يستمع لها بالطبع أحد فى عصورهم ، لكنها ظلت شاهدًا على أن الروح الإنسانية ، التى خلفها الله تعالى حرة ومكرمة ، لا تقبل أبدًا أن يتم تقييدها ، وإخماد صوتها بشكل كامل .

 

لقد كان أبو الحسن الماوردى (ت 450هـ) أحد الأعلام فى تاريخ الفكر السياسى الإسلامى . ولولا أن المسلمين المعاصرين يمرون حاليا بفترة ضعف ثقافى وفكرى ، لكان من حقه عليهم أن يتدارسوا فكره السياسى ، فضلاً عن أن يتبنوه ، لكى ينقلوه من إطاره المحلى إلى آفاق الفكر السياسى العالمى . ويرجع السبب فى ذلك إلى أمرين : الأول : أنه اتجه بصورة مباشرة وصريحة إلى إنشاء مجموعة من المؤلفات السياسية التى تتناول نظام الحكم فى الدولة الإسلامية التى ينشدها ، والثانى : أن الكثير من آرائه ونظرياته تتجاوز حدود العصر الذى عاش فيه ، لكى تصبح مبادئ وأسسا لنظام حكم رشيد فى أى زمان ومكان .

 

 

أما مؤلفات الماوردى السياسية فهى :
1-الأحكام السلطانية .
2-التبر المسبوك فى نصيحة الملوك .
3-أدب الوزير والوزارة .
4-النكت والعيون .
5-تسهيل النظر وتعجيل الظفر :
(فى أخلاق الملك ، وسياسة الملك) .

 

 

إن كل كتاب من هذه الكتب الخمسة يُعدّ واجهة يطل منها الباحثون بخاصة ، والقراء عموما على جانب من جوانب الفكر السياسى المتكامل لدى الماوردى . والملاحظ أن هذا المفكر الإسلامى الأصيل يستخدم لغة علمية تتميز بأهم خصائص اللغة العلمية المتعارف عليها حاليا ، وفى مقدمتها : الدقة والوضوح ، ولذلك سوف نحرص فى هذا البحث على كثرة الإستشهاد بها حتى يتبين مدى ملاءمتها للعصر الحاضر .

 

 

 

أما منهجه فإنه يقوم على تقسيم الموضوع إلى أجزاء ، والأجزاء إلى جزئيات ، معتمدًا فى إثبات وجهة نظره على التراث الإسلامى من ناحية ، وعلى كل ما يتصل بموضوعه من مختلف موارد التراث العالمى فى عصره من ناحية أخرى ، سواء كان من الإغريق ، أو الفرس ، أو الهنود .. وهو يصدر فى ذلك من حقيقة أن التجارب السياسية لدى كل شعوب العالم تعتبر رصيدا مشتركا يمكن أن يستفيد منه المسلم ، ما دامت تتوافق مع ثوابت دينه ، ولا تتعارض مع تعاليمه .

 

 

 

وسوف نقتصر فى هذا البحث على كتاب واحد من الكتب الخمسة للماوردى التى أشرنا إليها ، وهو كتاب (تسهيل النظر وتعجيل الظفر : فى أخلاق الملك ، وسياسة المُلْك) (4) وهو الكتاب الذى وضع فيه الماوردى خلاصة تصوره فى سياسة الدولة الرشيدة ، كما أننا سوف نقتصر على القسم الثانى من الكتاب ، الذى يتعلق مباشرة بنظام الحكم(5) ، تاركين حاليا أخلاق الحاكم لبحث آخر .
نعمة الحكم ومسئوليتها :

 

 

 

يبدأ الماوردى القسم الخاص بسياسة الملك بقوله : "حق على من مكنه الله تعالى من أرضه وبلاده ، وائتمنه على خلقه وعباده ، أن يقابل جزيل نعمته بحسن السريرة ، ويجرى فى الرعية بجميل السيرة"(6) .

 

 

 

ولتحليل مضمون هذه العبارات ، لابد أن نتوقف عند لفظتى (التمكين) و(الائتمان) : تمكين الإنسان من أرض الله ، وائتمانه على خلق الله وعباده ، وواضح تماما أنهما من الله تعالى ، يهبهما لمن يشاء ، وهما فى الحقيقة عبارة عن نعمة كبرى ، ينبغى أن يقابلها صاحبها بتحسين باطنه ، وحسن السيرة مع الناس فى ظاهره .

 

 

 

وتجدر الإشارة هنا إلى أننا لا نجد لدى الماوردى فى هذا الكتاب الهام حديثا عن كيفية اختيار الحاكم أو طريقة وصوله للحكم . وإن كنا نجد ذلك فى كتاب الآخر (الأحكام السلطانية) حيث يقرر أن الإمامة تنعقد من وجهين :
أ-باختيار أهل الحل والعقد .
ب-بعهد الإمام من قبل .

 

 

 

وبالنسبة إلى (أهل الحل والعقد) فقد صال فيه الفقهاء كعادتهم وجالوا : هناك من قال بضرورة إجماع أهل الحل والعقد فى كل بلد ، لكن هذا مردود ببيعة أبى بكر رضى الله عنه . وهناك من قال : أقل من تنعقد به منهم الإمامة : خمسة ، وقال آخرون : تنعقد بثلاثة يتولاها أحدهم ويكون الاثنان شهودًا كما فى عقد النكاح . وذهبت طائفة من الفقهاء إلى جواز انعقاد الإمامة بشخص واحد ، كما فعل العباس مع على  رضى الله عنه  . والمستخلص من هذه الطريقة أن أهل الحل والعقد إذا ما اتفقوا على اختيار الإمام لزم بالضرورة جميع الأمة . وهذا معناه عدم إعطاء حق التصويت لأى مسلم بالغ عاقل فى اختيار الحاكم(7) .

 

 

 

أما الوجه الثانى لتولى الحاكم فهو المتمثل فى ولاية العهد . يقول الماوردى "وهو مما انعقد الاجماع على جوازه ، ووقع الاتفاق على صحته" والدليل على ذلك ما فعله أبو بكر مع عمر بن الخطاب رضى الله عنها ، وما فعله عمر مع الستة الذين كلفهم بالاختيار . ومع تجاهل الفارق الدينى والأخلاقى الكبير بين هذين الخليفتين وبين مَنْ بعدهما ، فقد تمسك الفقهاء بأصل المبدأ وهو إمكانية أن ينفرد الحاكم بعقد البيعة لمن بعده ، وتفويض العهد إليه ، وإن لم يستشر فيه أحدًا من أهل الاختيار (كذا) ثم عاد الفقهاء فافترقوا حول إعطاء ولاية العهد لوالد الحاكم أو لولده . فمنعها فريق ، وأجازها فريق آخر(8) .

 

 

 

وعلى الرغم من كل هذا الجدل الفقهى فقد سار الواقع الفعلى فى اتجاهه الذى خطه لنفسه ، وهو استقرار نظام التوريث الذى استبعد تمامًا اختيار الأمة، وكذلك رأى أهل الحل والعقد .. بل إن قيام نظام السلطنة إلى جوار نظام الخلافة زاد الأمور تعقيدا ، فقد كان الوصول إليه من خلال القوة العضلية ، والتحالفات العسكرية وحدها .. والخلاصة أننا مهما حاولنا التفسير أو التبرير ، فإن مسألة اختيار الحكام فى نظام الدولة الإسلامية تظل نقطة ضعف يصعب الدفاع عنها ، ولا شك أنها كانت فى كثير من الأحيان وراء اعتلاء حكام ضعاف وغير مؤهلين سدة الحكم واستمرار التدهور الذى أصاب الدول الإسلامية كلها بدون استثناء .

 

 

 

لكن الماوردى يسرع فيؤكد مسئولية هذا الحاكم أمام الله تعالى ، الذى منحه اياها ، وجعلها أمانة بين يديه . يقول : "فليس أحد أحق بالحذر والإشفاق، وأوْلى بالنصب والاجتهاد ممن تقلد أمور الرعية ، لأنها أمانة الله التى أمّنه عليها ، ورعيته التى استرعاه فيها ، واستخلفه على أمورها ، وهو تعالى ولىّ السؤال عنها"(9) .

 

وهكذا يضع الماوردى مساءلة الحاكم أمام الله تعالى ، وليس أمام الرعية أو الشعب . وهذه هى النقطة المفصلية الثانية التى يجب أن نتوقف عندها . لأنه مهما أحاط بالحاكم من حسن الظن فى استقامته وعدله ، فإن احتمالات انحرافه وظلمه تظل واردة . وفى هذه الحالة يمكن أن يستمر طوال فترة حكمه وهو مقيم على فساده ، غير ملتفت إلى مصالح شعبه ، الذى قد يظل صابرًا على الظلم ، مؤمنا بقضاء الله وقدره .

 

 

 

يقول الماوردى : "ولأنه سبحانه حسم مواد الاعتراض على أفعال (هذا الحاكم) وكف ألسنة الرعية عن رد ما رآه فى اجتهاده ، وأوجب عليها طاعته ، وألزمها الانقياد لحكمه ، وأمرهم أن يتصرفوا بين أمره ونهيه فقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [سورة النساء : آية 58] (10) .

 

 

ويؤكد الماوردى أن صلاح الشعب من صلاح الحاكم ، وبالتالى فإن فساد أمورهم بفساده . لأنه على حد تعبيره قلب وهم أطراف . حتى قال بعض العقلاء : إن رشاد الوالى خير من خصب الزمان (11) .

 

وهو ينصح الحاكم الرشيد بأن يحرس الدين بولايته ، بهدف أن ينتظم بنظره (أى بسياسته) صلاح المسلمين "لأن الدين يصلح سرائر القلوب ، ويمنع من ارتكاب الذنوب ، ويبعث على التأله والتناصف ، ويدعو إلى الألفة والتعاطف"(12) .

 

أما الملوك الذين يهملون شأن الدين ، ويعتمدون فى أمورهم على قوتهم، وكثرة أجنادهم فإن مصيرهم إلى اضطراب وزوال ، لأن هؤلاء الأجناد أنفسهم هم الذين ينقلبون عليهم عند أول فرصة يجدونها سانحة لهم . وقد قيل بحق : من جعل ملكه خادما لدينه انقاد له كل سلطان ، ومن جعل دينه خادما لملكه طمع فيه كل انسان(13) .

 

ولعلنا نذهب هنا إلى أن (غياب) فكرتى اختيار الحاكم ، ومساءلته أمام الشعب قد جعل الماوردى يؤكد ، ويزيد فى التأكيد على فكرة صلاح الحاكم فى نفسه وفى سياسته مع الرعية ، وكل منهما لا يتأتّى إلا بالتزام تعاليم الدين ، التى تدعو إلى العدل وحسن التدبير . يقول الماوردى :
"فالسعيد من وقى الدين بملكه ، ولم يوق الملك بدينه : فأحيا السنة بعدله، ولم يمتها بجوره ،  وحرس الرعية بتدبيره ، ولم يضعها بتدميره ، ليكون لقواعد ملكه موطدا ، ولأساس دولته مشيدا ، ولأمر الله فى بلاده ممتثلا، فلن يعجز الله استقامة الدين عن سياسة الملك ، وتدبير الرعايا"(14) .

 

 

نظام الحكم فى الدولة(15) :


يقرر الماوردى أن قواعد الحكم إنما تستقر فى الدولة على أمرين : تأسيس، وسياسة .
أما التأسيس فيشمل ثلاث قواعد :
1-تأسيس الدين .
2-تأسيس القوة .
3-تأسيس المال والثروة .
وأما السياسة فتشمل أربعة مجالات :
1-عمارة البلاد .
2-حراسة الرعية .
3-تدبير الجند .
4-تقدير الأموال .

 

 

وسوف نتابع هذه العناوين السبعة بقدر من الشرح والتعليق ، مع مقاربتها ببعض المصطلحات السياسية الحديثة . وغرضنا من ذلك أن نستحضر الماوردى فى قلب العصر الحاضر ، لإمكانية الإفادة من آرائه وتصوراته ، بدلاً من أن نتركه مهملاً فى تلافيف التراث القديم، الذى لم يستفد– مع الأسف- من فكره السياسى المتميز .



مفهوم التأسيس وقواعده :

 

 

يحدد الماوردى معنى التأسيس فى "تثبيت أوائل الحكم ومباديه ، وإرساء قواعده ومبانيه"(16) . ومن الواضح أنه يتجاوز هنا مقومات إقامة الدول التى تشمل : الأرض ، والشعب ، والسلطة ، والاتجاه العام والغرض المشترك. فمن المفترض أن هذه كلها مقومات كانت موجودة بالفعل فى الدولة الإسلامية ، والمطلوب بعد ذلك وضع أسس راسخة لنظام حكم صحيح ينهض عليها بناؤه . وتتمثل هذه الأسس أو القواعد فى الدين ، والقوة ، والمال والثروة.



أ- تأسيس الدين :

 

 

يؤكد الماوردى على أهمية الدين ودوره فى حفظ نظام الحكم وتثبيت قواعده وإطالة مدته ، بل إنه يرى أنه "أثبتها قاعدة ، وأدومها مدة ، وأخلصها طاعة"(17) . وهو يصدر فى ذلك من اقتناعه بأن الدين هو صمام الأمان الذى يُلزم الأفراد ، وبالتالى المجتمع كله ، بالطاعة . وميزة هذه الطاعة أنها ذاتية تنبع من أعماق المسلم ، وتنعكس بالضرورة على سلوكه واحترامه لنظام الدولة، وذلك بخلاف الانصياع إلى القوانين المدنية التى قد تطيعها الأجساد ، بينما تعصيها القلوب(18) .

 

 

ويفصل الماوردى القول فى ثلاثة أسباب تتعلق بموقف الحاكم من الدين، وهى التى يؤدى واحد منها فقط أو هى مجتمعة إلى انتقال الحكم من حاكم إلى آخر .
السبب الأول : أن يخرج الحاكم من منصب الدين حتى يتولى عليه غيرُ أهله ، ويظهر منه خلاف عقده . وتكون النتيجة أن النفوس تنفر منه إن لأن ، وتعانده إن أظهر الخشونه .
السبب الثانى : أن يكون الحاكم ممن قد استهان بالدين ، وهوّن أهله ، فأهمل أحكامه ، وطمس أعلامه . والنتيجة أن الناس ترى أن الدين أقوم منه ، فيصير ملكه محلولا .
السبب الثالث : ن يكون الحاكم ممن أحدث بدعة شنيعة فى الدين فتأبى النفوس بغير دين قد صح معتقده ، واستقرت فى القلوب أصوله وقواعده . وتكون النتيجة أن يصير دينه مرفوضا ، وملكه منقوضا(19) .

 

 

ويرى الماوردى أنه إذا اجتمعت على الدين هذه الأسباب الثلاثة ، ثم قام يطلب الحكم من ينصر الدين الصحيح ، ويزيل عنه البدع والإهمال والتحريف ، أذعن الناس له ، وطلبوه للحكم بعد أن كان طالبًا"(20) .

 

 

ب-  تأسيس القوة :

 

 

ومعناه أن ينهار نظام الحكم : إما بسبب الإهمال والعجز ، وإما بالظلم والجور وعندئذ يهب لطلب الحكم أصحاب القوة ، وذوو القدرة : إما طمعًا فى الحكم حين ضعف ، وإما دفعًا للظلم حين استمر .

ولا يتيسر ذلك إلا لجيش قد اجتمعت فيه ثلاث خصال : كثرة العدد ، وظهور الشجاعة ، وتفويض الأمر إلى قائد يتقدم عليهم لنسبٍ أو أبوة ، أو لما يظهر به من رجاحة الرأى وفضل الشجاعة .

فإذا نجحوا فى تلك الوثبة ، واستولوا على الحكم بالقوة : كان حكم قهر. أما إذا عدلوا مع الشعب ، وساروا فيهم بالسيرة الجميلة صار حكم تفويض وطاعة ، فاستقر وثبت . وأما إذا جاروا وعسفوا ، فتكون حينئذ هى جوله توثب ، ودولة تغلب ما يلبث أن يبيدها الظلم ، ويزيلها البغى ، بعد أن تهلك بهم الرعايا ، وتخرب بهم البلاد (21) .

 

 

ومن هذا النص ، الذى تدخلنا بتعديل بعض ألفاظه ، يمكن أن نستخلص الأفكار التالية :
- أن أسباب انهيار الدوله يرجع إلى الإهمال والعجز والظلم والجور .
- أن الوصول إلى الحكم يتطلب جيشا : كثير العدد ، ظاهر الشجاعة ، له قائد مجمع عليه.
- أن هذا الحكم قد يستقر ويثبت إذا حكم بالعدل بين الناس ، ويصبح حينئذ حكم تقويض وطاعة .
- أما إذا جار وظلم فلن يكون أكثر من جولة توثب : تهلك بها الشعب ، وتخرب البلاد .
والخلاصة أن القوة إذا لم يضبطها العدل ، وتتصف بحسن السيرة فإن عاقبتها ستكون بلا شك وخيمة ، سواء على أصحابها أو على الشعب .

 

ج- تأسيس المال والثروة :

 

وكما قد تنقض جماعة بالقوة لتستولى على الحكم ، يمكن فى حالات ضعف الدولة أن تطمع جماعة من أصحاب الأموال فى الوصول إلى السلطة . يقول الماوردى : "وقل أن يكون هذا الأمر إلا فيمن له بالسلطنة اختلاط ، وبأعوان الملك امتزاج ، فيبعث مطامع الراغبين فيه على طاعته ، وتسليم الأمر إلى زعامته"(22) .
وتدل التجارب على أن تأسيس الدولة على المال وحده أو الثروة وحدها لا يكفى ، بل إنه يعد من أهم العوامل فى سرعة انهيارها . ويرجع السبب فى ذلك إلى أن مطامع أهل المال ، الطامحين فى السلطة ، تكون دائمًا متجهة إلى جمع المزيد من الثروة ، وهذا ما يجعلهم لا يجيدون إدارة الحكم بصورة رشيدة. وقديما قيل : إن المال ربما سوّد غير السيد ، وقوى غير الأيّد ، وروى عن سليمان بن داود ، عليهما السلام : الذى يتوكل على غنائه سقوطه سريع . فإن اقترن بسبب يقتضى ثبوت الملك ، فهو وشيك الزوال ، سريع الانتقال(23) .

 

 

تلك هى القواعد الثلاثة التى يمكن أن تتأسس عليها الدول : الدين ، والقوة ، والمال أو الثروة . وقد أطلعنا الماوردى على أيها أقوى ، وأيها أوْهى وأضعف . والناتج من ذلك أن نظام الحكم ينبغى أن يتجاوب مع نفوس المحكومين ، ولا يتم ذلك بصورة كاملة إلا إذا امتلأت بوازع الدين ، الذى يزجرها عن ارتكاب الشرور ، ويمضى بها على طريق الطاعة . وأيا كان نظام الدولة فلابد أن يلتزم بتطبيق العدل بين الناس ، لأنه أساس الملك ، والعامل الرئيسى فى استقراره ودوامه .

 

 

وهنا يمكن التساؤل : هل كان الماوردى يشير إلى أنظمة حكم قائمة بالفعل فى عصره ، أو قبله بقليل ؟ إن الوقائع التاريخية تدعم ذلك(24) . فقد سبق أن قامت فى مصر دولتان ، انفصلتا بالقوة عن الدولة العباسية ، وهى الطولونية (254هـ) ثم الإخشيدية (323هـ) ، كما استولى البويهيون على الحكم الفعلى فى بغداد سنة (334هـ) ، وزحف الفاطميون من المغرب ، فاستولوا على مصر سنة (358هـ) ، أما السلاجقة فقد دخلوا بغداد ، وانتزعوا السلطة الفعلية من خلفائها قبل وفاة الماوردى بثلاثة أعوام فقط ، سنة (447هـ) .. وبهذا يمكن القول بأن ظهور هذه الدولة وسقوطها كانا موضع تأمل من الماوردى ، المفكر السياسى الذى كان يتابع ما يجرى بوعى كامل ، ويحاول أن يستخلص منه القوانين السياسية التى تحكم مسيرته .

 

 

ومن بين هذه القوانين السياسية الهامة التى توصل إليها الماوردى ما يذكره فى ختام عرضه لموضوع تأسيس نظام الدولة ، حول نشأة الدول عموما وانهيارها ، وخصائص كل مرحلة منها . يقول :
- إن الدولة تبتدئ بخشونة الطباع وشدة البطش : لتسرع النفوس إلى بذل الطاعة .
- ثم تتوسط باللين والاستقامة : لاستقرار الملك ، وحصول الدعة .
- ثم تختم بانتشار الجور وشدة الضعف : لانتقاض الأمر ، وقلة الحزم .

 

 

وهو يقرر أنه بحسب هذه الأحوال الثلاثة : يكون ملوكها فى الآراء والطباع . ثم يعقب : وكما تبتدئ الدولة وتختم بالضعف ، كذلك تبتدئ بالوفاء وتختم بالغدر . لأن الوفاء مشيِّد ، والغدر مشرِّد(25) .

 


السياسة ومجالاتها :

 

 

يرى الماوردى أن السياسة تأتى بعد التأسيس . وهى تشتمل على أربعة قواعد : عمارة البلاد ، وحراسة الرعية ، وتدبير الجند ، وتقدير الأموال . وأصل ما تبنى عليه السياسة العادلة فى سيرة الرعية – بعد حراسة الدين وتُخير الأعوان – على أربعة أوجه هى : الرغبة والرهبة ، والإنصاف والانتصاف .

 

فأما الرغبة فتدعو إلى التآلف ، وحسن الطاعة ، وتبعث على الإشفاق، وبذل النصيحة . وذلك من أقوى الأسباب فى حراسة المملكة .

وأما الرهبة فتمنع خلاف ذوى العتاد ، وتحسم سعى أهل الفساد ، حذرًا من السطوة وإشفاقًا من المؤاخذة . وذلك أقوى الأسباب فى تهذيب المملكة .

وأما الإنصاف فهو عدل يفصل بين الحق والباطل ، يستقيم به حال الرعية ، وتنتظم به أمور المملكة . فلا ثبات لدولة لا يتناصف أهلها ، ويغلب جورها على عدلها .

وأما الانتصاف فهو استيفاء الحقوق الواجبة ، واستخراجها بالأيدى العادلة ، فإن فيه قوام الملك ، وتوفير أمواله ، وظهور عزه ، وتشييد قواعده . وليس فى العدل : ترك مال من وجهه ، ولا أخذه من غير وجهه ، بل كلا الأمرين عدل ، لا استقامة للملك إلا بهما(26) .

 


أ-  عمارة البلاد :

 

يقسم الماوردى البلاد إلى نوعين : مزارع وأمصار، وبلغتنا المعاصرة: ريف وحَضَر ..    
أما الريف فهو الذى يمثل لنظام الحكم : أصول المواد التى يعتمد عليها، وتنتظم بها أحوال الرعية . فصلاح الريف خصب وثراء ، وفساده جدب وخلاء . وهو – كما يقول : الكنوز المذخورة ، والأموال المستمدة . وأى بلد كثرت ثماره ومزارعه استقل بخيره ، وفاض على غيره ، فصارت تُجلب إليه الأموال ، وتطلب منه الأقوات .
لذلك فإن السياسة التى ينبغى على الحاكم أن يدير بها الريف لابد أن تراعى ثلاثة أمور :
الأول : القيام بمصالح المياه حتى تستمر فلا تنقطع ، وتعم فلا تمتنع، ويشترك فيها القريب والبعيد ، ويستوى فى الانتفاع بها القوى والضعيف .
ثانيًا : توفير الأمن والحماية للمزارعين وكفّ الأذى عنهم ، لكى يأمنوا فى مزارعهم ولا يتشاغلوا بالدفاع عن أنفسهم ، ولا يكون لهم غير الزراعة عمل ، لأن لكل صنعة أهلاً ، فيستكثروا من العمارة ، ويتسعوا فى الزراعة ، فيكونوا عونا وأعوانا لمن سواهم .
ثالثًا : تقدير ما يؤخذ منهم بحكم الشرع ، وقضية العدل ، حتى لا ينالهم فى قدرها حيف ، ولا يلحقهم فى أخذها عسف ، وذلك لكى تزعن نفوسهم ببذل الحق منها طوعا . فإن الزمان باتساعهم خصب ، والمُلْك باستقامة أمورهم ملتثم(28) .

 

أما بالنسبة إلى المناطق الحضرية ، وهم التى تضم المدن التى يسميها الماوردى الأمصار وهى الأوطان الجامعة ، فمن خصائصها خمسة أمور  الأول : أن يستوطنها أهلها طلبًا للسكون والدعة ، والثانى : حفظ الأموال فيها من استهلاكه وإضاعته ، والثالث : صيانة الحريم والحرم من انتهاك ومذلة ، والرابع : التماس ما تدعو إليه الحاجة من متاع وصناعة . والخامس : التعرض للكسب وطلب المادة . فإن عدم فيها أحد هذه الأمور الخمسة فليست من مواطن الاستقرار ، بل انها تصبح حينئذ منزل خراب ودمار .

 

 

ومن الجدير بالإشارة هنا أن الماوردى يضع مسئولية إنشاء هذه الأمصار أو المدن على الحاكم أكثر مما يضعها على المواطنين . لأنه – كما يقول – أصل هم فروعه ، ومتبوع هم أتباعه . وهذا يعنى ضرورة تخطيط الدولة لها ، وعدم تركها لعشوائية الأهالى !(29) .

 

 

وهناك ستة شروط ينبغى أن تراعى عند إنشاء هذه المدن أو الأمصار الجامعة . الأول : سعة المياه العذبة . والثانى : سهولة وصول المواد الغذائية والثالث : اعتدال المكان المناسب لصحة الهواء والتربة . والرابع : قربها مما تدعو الحاجة إليه من المراعى والأحطاب (الحطب اللازم للوقود) الخامس : تحصين منازلها من الأعداء الخارجيين ، واللصوص من الداخل . والسادس : أن يحيط بها ريف يعين أهلها بمواده الغذائية من الحبوب والخضروات"(30) .

 

 

وتقوم سياسة المدن عند الماوردى على ثمانية شروط ، يحددها فيما يلى:
1- أن يسوق إليها الماء الجارى إن بعدت أطرافه : إما فى انهار جارية ، أو حياض سائلة ، ليسهل الوقوف عليه .
2- تقدير طرقها وشوارعها حتى تتناسب ولا تضيق بأهلها ، فيستضر المارّ بها .
3- أن يبنى جامعا للصلوات فى وسطها ، ليقرب على جميع أهلها ، ويعم شوارعها بمساجده .
4- أن يقدر أسواقها بحسب كفايتها ، وفى مواضع حاجتها .
5- أن يميز خطط أهلها ، وقبائل ساكنيها ، ولا يجمع بين أضداد متنافرين ، ولا بين أجناس مختلفين .
6- إذا أراد الحاكم أن يسكن فيها تخير أفسح أطرافها ، وأطاف به جميع خواصه، وبعض قواده .
7- أن يحوطها بسور ، إن جاوروا عدوا ، أو خافوا اغتيالا ، حتى لا يدخل عليهم أو يخرج إلا من أرادوه وعرفوه .
8- أن ينقل إليها أعمال أهل العلم والصنائع حتى يكتفوا بهم عما يحتاجون إليه(31) .

 

 

 

ويرى الماوردى أن الحاكم إذا قام بهذه الشروط الثمانية فقد أدى حق مستوطنيها ولم يبق عليه بعد ذلك سوى أن يسير فيهم بالسيرة الحسنى ، وبأخذهم بالطريقة المثلى ، فقد صارت المدينة بهذا من أجل الأمصار وطنا ، وأعدلها مسكنا (32) .

 

 

 

ثم إن المدن نوعان . أحدهما مدن مزارع ، والثانى مدن تجارة . فأما مدن المزارع أى التى تقام وسطها فهى أثبت النوعين أهلا ، وأحسنها حالا ، وأولاها استيطانا ، لوجود موادها فيها ، واقتناء أصولها منها . ومن شروطها أن تكون فى وسط مزارعه ، وبين جميع أطرافه ، حتى تعتدل مواردها منها ، وتتساوى طرقها إليها . وهذه المدن تكون عامرة ما دام ريفها عامرًا ، فإن وقع بهم ظلم تفرق أهلها فى الريف ، فأصابوا عيشا ، ووجد أهلها فى أهل الريف ملاذا .

 

وأما مدن التجارة فهى من كمال الأقاليم ، وزينة الملك – كما يقول الماوردى ، لأنها تظل مقصودة بتحف البلاد ، وطرف الأقاليم . فلا يعوز فيها مطلوب ، ولا ينقطع عنها مجلوب . ولها أيضا شروط : الأول : أن تتوسط مدن الريف ، وتكون قريبة من بلاد التجارة . والثانى : أن تكون ذات طرق تسهل مسالكها ، ويمكن نقل الأثقال إليها . والثالث : أن تكون مأمونة الطرق لأهلها ، خفيفة الكلفة لمستخدميها .

 

وعلى الرغم من أن الماوردى يؤكد أن هذه المدن هى أكثر البلاد طلبا للإقامة ، وأنشرها فى المدن ذكرا ، وعلى الرغم من أنها مهيأة لمطالب الملوك، لا لموادها فإنها مع ذلك إذا تعرضت لظلمهم بكثرة الضرائب والمكوس بدأ هجرها من أهلها ولا يبعد أن تندرس وتخرب . والسبب ذلك أن أموال أهلها هى أموال تجارة متنقلة ، "لا يشق عليهم تحويلها" فهم يستوطنون من البلاد أعدلها ، ويقصدون من المتاجر والمعاملات أسهلها ، فإن نبا بهم وطن ، فكل البلاد لهم وطن (33) .

 


ب- حراسة الرعية :


يقصد الماوردى من حراسة الرعية ما نطلق عليه فى العصر   الحاضر : تحقيق الأمن الداخلى فى المجتمع . والملاحظ أن يضع هذه المسئولية بكاملها على الحاكم باعتباره مستأمنا من الله تعالى فى رعيته التى لا تستطيع الدفع عن نفسها إلا بسلطانه ، ولا تصل إلى العدل والتناصف إلا بإحسانه ، بل إنه يذهب إلى حد تشبيه الحاكم بالنسبة إلى شعبه يولىّ اليتيم ، المندوب لكفالته ، والقيّم بمصالحه : يلزمه أن يقوّم زللـه ، ويصلح خلله ، ويحفظ أمواله ، ويستثمر مواده . ويؤكد الماوردى أن صلاح أحوال الرعية راجع فى النهاية إلى الحاكم ، كذلك فإن الضرر متعدٍّ إليه ، ويخلص من ذلك إلى أنه "لا توجد استقامة ملك فسدت فيه أحوال الرعايا" (34) .

أما أهم واجبات سياسة الأمن الداخلى على الحاكم ، فتتمثل فى عشرة أمور :
1- تمكين الأهالى من استيطان مساكنهم وادعين .
2- التخلية بينهم وبين مساكنهم آمنين .
3- كف الأذى ، والأيدى الغالبة عنهم .
4- استعمال العدل والإنصاف معهم .
5- فصل الخصام بين المتنازعين منهم .   
6- حملهم على موجب الشرع فى عباداتهم ومعاملاتهم .
7- إقامة حدود الله تعالى ، وحقوقه فيهم .
8- تحقيق أمن طرقهم ومسالكهم .
9- القيام بحفظ مصالحهم فى مياههم وقناطرهم .
10- تقديرهم وترتيبهم حسب أقدراهم ومنازلهم فيما يتمايزون به من دين وعمل وكسب وصيانه .

 

 

 

ويعقب الماوردى قائلا : فإن قام فيهم الحاكم بهذه الحقوق فهى السياسة العادلة ، والسيرة الفاضلة التى تستخلص بها طاعة الرعية ، وينتظم بها صلاح المملكة ، وإن أخلّ بها كان وإياهم على ضدها(35) . قال أردشير بن بابك : سعادة الرعية فى طاعة الملك ، وسعادة الملك فى طاعة المالك . وقال بعض العقلاء : إذا لم يكن فى سلطان الملك سرور لرعيته كان ملكه ظلما ..(36) .

 

ج- تدبير الجند :

 

يلاحظ هنا أن الماوردى لا يفرق بين جنود الأمن الداخلى (الشرطة) وبين جنود (الجيش) فالجميع عنده أهل مهنة واحدة ، وإن كانت مسئولياتهم موزعة بين تحقيق الاستقرار داخل المجتمع ، وبين الدفاع عنه ضد أعدائه من الخارج . لكن الماوردى يؤكد على أهمية تدبير أمر الجند ، لأن الحاكم بهم يملك حتى يقهر ، ويستولى حتى يقدر . فإن صلحوا كانوا قوة له ، وإن فسدوا صارت قوتهم عليه(37) .

 

 

ولكى يؤدى تدبيرهم إلى حفظ طاعتهم ، واستخلاص نصرتهم ، لابد أن تتوافر فيه أربعة شروط :
الشرط الأول : تقويمهم بالأدب ، الذى يحفظ على الحاكم وفور نجدتهم ، وكمال تجنيدهم ، ليصلحهم بذلك لأنفسهم ، ثم لنفسه ، ثم لرعيته :

 

 

فأما صلاحهم لأنفسهم فيكون بثلاثة أمور :
1- معاطاة ما يحتاج إليه الجنود من الارتياص بالركوب ، والخبرة بالحروب ، لأنها صناعة تجمع بين العلم والعمل (التدريب المستمر).
2- اختصاصهم بالجندية واقتصارهم عليها ، حتى لا ينقطعوا عنها بكسب سواها، فيصيروا مقصرين فيها .
3- أن يقفوا فى اللذات على اعتدال مباح ، لا ينقطعون إليها فتلهيهم ، ولا يمنعون منها فتغريهم .   
وأما صلاحهم للحاكم فيكون بثلاثة أشياء :
1- أن تستقر محبته فى نفوسهم حتى ينصحوه .
2- أن تعظم هيبته فى قلوبهم حتى يطيعوه .
3- أن يعتقدوا أن صلاح ملكه عائد عليهم ، وفساده متعدٍّ إليهم .
وأما إصلاحهم للرعية ، فيكون أيضا بثلاثة أمور :
1- أن يكفوا أنفسهم عن أذاها .
2- أن يذبوا عنها من أرادها بسوء .
3- أن يكونوا عونا لها على منافعها .

 

 

وهنا يورد الماوردى ما كتب به أرسطو إلى تلميذه الاسكندر حين طلب مشورته "تفقدْ جندك ، فإنهم أعداء يُنتقمَ بهم من أعداء" ومعناه : أنهم أعداء إذا فسدوا ينتقم بهم من أعداء إذا صلحوا"(38) .
الشرط الثانى : أن يتم ترتيب الجنود على حسب جهودهم فى الحروب ، ودفاعهم عن الملك ، ومسارعتهم إلى الطاعة ، حتى يعلموا أن عملهم مشكور ، ونصحهم مقدَّر ، يتقدمون به ، ويجازون عليه ، فإن ذلك يؤدى بهم إلى ثلاث خصال ، تصلح بها أحوالهم :
الأول : أن يزداد محسنهم طاعة ونصحا ، طلبًا للزيادة فى التقدم ، ورغبة فى مضاعفة الجزاء .
الثانية : أن يرغب المقصر منهم أو المسئ فى مثل ما ناله المحسن من منزلة وجزاء فيتأسى به فى الطاعة ، ويساويه فى المناصحة .
الثالثة : أن يكف المقصر عن طلب ما لا يستحقه ، ويتأخر عن مقام لا يستوجبه (39) .
الشرط الثالث : أن يقوم الحاكم بكفاية جنوده ، حتى لا يحتاجوا ، فإن الحاجة تدعوهم إلى إحدى خصلات ثلاث ، لا خير فى واحدة منها :
1- إما أن يتسلطوا على أموال الرعية .
2- وإما أن يتجهوا إلى من يقوم بكفايتهم .
3- وإما أن يشتغلوا بمكاسب خاصة بهم ، فيضعفوا ، وإن احتيج إليهم لم ينفعوا .
لكن فى الجانب المقابل ، ينبغى عدم التوسعة عليهم بزيادة ، تؤدى بهم إلى احدى خصلتين مذمومتين :
1- إما أن يصرفوا تلك الزيادة فى الفساد ، فيفسدوا .
2- وإما أن يستغنوا بها عن العمل والجهد ، فيتقاعدوا (40) .
الشرط الرابع : ألا تنطوى عن الحاكم أخبار الجند ، ولا تخفى عليه آثارهم ، فهم رعاة دولته ، وحماة رعيته . فإن انحرف بعضهم ، وأخفى الحسن منهم قبيحهم سرى فيهم أخبث الأمرين ، لأن الشر يتفشى فى الخير . وعندئذ ثلاث آفات تقدح فى صلاحهم ، وتمنع من فلاحهم :
الآفة الأولى : أن يكرهوا زمن السلام والمسالمة ، بسبب بوار سوقهم، فيتلمسوا أسبابًا للحرب لكى تروج بضاعتهم ، ويعلو قدرهم ، وتتسع    مكاسبهم .. فإما أن يتم استدراك خطرهم ، وإلا كانت الطامة على الجميع.
الآفة الثانية : أن يتوصل العدو إلى استمالتهم فى حال غفلة عنهم ، فإذا لم يتم التيقظ لهم ، طاشت السهام إلى الصدور ، وبلغت المكائد غايتها .
الآفة الثالثة : أن يبعثهم الإغفال عنهم إلى التسلط ، ويدعوهم الإهمال إلى التبسط ، تطاولاً على نظام الحكم ، وقلبًا له .
لذلك يقرر الماوردى أن أصعب ما يعانيه المسئول عن الدولة : هى سياسة الجند ، لأن بهم يقهر الحاكم حتى يسوس . وإذا عجز بفسادهم صار مقهورا ، وإن ساسهم بحزمه حتى انقادوا كان لهم بالقوة سلطانا ، وكانوا له بالطاعة أعوانا . وقد قيل : من علامات الدولة قلة الغفلة(41) .



د- تقدير الأموال :


الأموال هو المواد التى يستقيم نظام الحكم بوفرتها ، ويختل بقصورها . أما تقديرها فهو الأسلوب الذى يتم به جمعها ، ويجرى به إنفاقها . ويرى الماوردى أن هذا التقدير من أصعب الأمور على الحكام ، لأنهم يظنون أنهم بقدرتهم يستطيعون أن يصلوا لأى غرض ، فإن وصلوا إليه بالأسهل الألطف وإلا توصلوا إليه بالأصعب الأعنف ، وهنا يمكن أن يستبيحوه شرعا ، ويرتكبوا محظوره .

أما السياسة المالية الحازمة فهى التى تعتبر ما يستدام حصوله ، ويسهل وصوله ، ولا يجبر فيها متعذر على دفع ما عليه ، أو معسر على إعلان إفلاسه ، بحيث يكون المقياس فيها : عدم التنازل عن حق ، وعدم التعدى إلى باطل .

وبالنسبة إلى ميزانية الدولة ، يفصل الماوردى أحوالها فى ثلاث حالات:
الحالة الأولى : أن تزيد الموارد فيها على النفقات ، ويطلق عليهما مصطلحىْ : الدخل والخرْج . وهذه الحالة هى التى يكون فيها نظام الحكم سليما، وتقديره مستقيما ، ليكون فائض الموارد معدًا للنوائب والعوارض الحادثة ، فتأمن الرعية عواقب الحاجة ، ويثق الجند فى إمكانية الحاكم على دفع مستحقاتهم ويكون الحاكم قادرًا على دفع ما يطرأ من خطوب ، أو يحدث من خروقات . فإن للحكم فنونًا لا تتوقع ، وللزمان حوادث لا تحتسب (42) .
الحالة الثانية : أن تقصّر الموارد عن النفقات . وهذا هو نظام الحكم المعتل ، والتدبير المختل . وفى هذه الحالة يحدث غالبًا أن يلجأ الحاكم بفضل قوته وقدرته إلى تأويل ما يجب على المحكومين ، ومطالبتهم بما لا يجب . وقد تلجئه الحاجة إلى العدول عن تعاليم الشرع ، وقوانين السياسة إلى إجراءات ترهق الرعية ، وتغرى به الجند ، بل إن هؤلاء الأخيرين عندما يرون جوره يوغلون فى التسلط على الناس ، ولا يمكن منعهم من الفساد ، وقد رأوا حاكمهم يفسد(43) .
الحالة الثالثة : أن تتوازى الموارد مع النفقات ، بحيث لا تزيد ولا تنقص . وهنا قد يكون الحكم فى زمان السلم مستقلا ، ولكنه عند وقوع الحوادث يصبح مختلا . فإن ساعده القضاء بدوام حال السلم استمر على استقامته ، وإن فاجأته النوائب أرهقه الجهد ، وتخلى عنه الأعوان ، وعندئذ يكون عليه أن يكثر من الإحسان إلى رعيته ، ويحكم العدل فى سياسته ، ليكون بالرعية مستكثرا ، وبالعدل مستثمرا (44) .

أما بالنسبة إلى كيفية تقدير الأموال ، الذى يعد أحد المجالات الأربعة الرئيسية للسياسة فى نظام الحكم الرشيد ، فإن الماوردى يبينه على الوجه  التالى :
"إن كان تقدير الأموال قاعدة ، فتقديرها معتبر من وجهين . أحدهما : تقدير دخلها ، وذلك مقدر من أحد وجهين : إما بشرع ورد النص فيه بتقديره ، فلا يجوز أن يخالف . وإما باجتهاد ولاه العباد فيما أداهم الاجتهاد إلى وضعه وتقديره . والثانى تقدير نفقاتها ، وذلك مقدر من وجهين . أحدهما : بالحاجة فيما كانت أسبابه لازمة أو مباحة . والثانى : بالإمكان حتى لا يعجز منها مورد، ولا يتكلف معها عسف(45) .


معاونو الحاكم وسياستهم :

ليس فى مقدور أى حاكم أن يباشر أمور الدولة كلها بنفسه ، لذلك لابد له من معاونين يتخصصون فى الإشراف على مختلف شئون الدولة ، وبحيث يقتصر دوره على وضع السياسات العامة التى يتبعها هؤلاء مع الجمهور ، وأن يحسن اختيار الأكفاء منهم للقيام بمسئولياتهم ، ومع ذلك ينبغى عليه المواظبة على تهذيبهم ، لأنه لا استقامة لحكمه إلا بذلك(46) .


ويضع الماوردى مهمة اختيار الأعوان والحاشية على الحاكم نفسه ، فهو المسئول عنهم وعما يفعلونه فى تنفيذ سياسته ، لذلك عليه أن يدقق كثيرا فى اختيارهم ، وأن يفحص باستمرار عقولهم وآراءهم ، ويتعرف على همهم وأخلاقهم ، حتى يكون على بينة من بواطنهم وظواهرهم تمهيدًا لوضع كل منهم فى الموقع المناسب له . وهنا ينبغى التأكيد على ثلاث خصائص هى : الخُلُق ، والكفاءة ، والهمة(47) .

فإذا نجح فى استخلاص جماعة ممن تتوافر فيهم هذه الخصائص لم يزد لأحدهم على قدر استحقاقه ، كما ينبغى عليه ألا ينقص أحدًا عن المنزلة التى يستحقها . وعليه أن يحذر تولية أحد بشفاعة شفيع ، أو رعاية لحرمة ، لئلا يختل العمل بسبب عَجز عامله ، ويفتضح العامل بانتشار عمله . وقد قال أحد الحكماء : من قلّد ذوى الرعاية ندم ، ومن قلد ذوى الكفاية سلم .. يقول الماوردى : وعلى هذا لا يورث الأبناء منازل الآباء إذا لم يتناسبوا فى الطباع، كما لا يرث الأشرار مراتب الأخيار(48) وهو يوصى الحاكم بأنه إذا أراد مكافأة أحد غير مؤهل أن يمنحه ما شاء من المال ، دون أن يقلده منصبا أو ولاية !

وهناك أربع طبقات من أعوان الحاكم ينبغى أن يوجه إليهم كل الاهتمام والرعاية المستمرة من جانبه ، وهم الوزراء ، والقضاة ، وقواد الجند ، وجباة الأموال .

أما الوزراء .. فلأنهم خلفاؤه فى حكمه وسفراؤه فى أعوانه ، وشركاؤه فى تدبيره ، وأمناؤه على أسراره . ثم ان لهم مزية الاستيلاء والتفويض ، لأنه على ألسنتهم تظهر أقواله ، وعلى أيديهم تصدر أفعاله . فإذا باشروا عنه الأمور عاد عليه خيرها وشرها ، وكان له نفعها وضرها ، وبقى عليه صفوها وكدرها . فإن أحسنوا نسب إليه إحسانهم ، وإن أساءوا أضيفت إليه مساوئهم ، فيصير بإحسانهم محمودا ، وبإساءتهم مذموما ، وبسدادهم مشكورا ، وبالتوائهم موتورا . يخفى صلاحه بفسادهم ، ويبطل عدله بجورهم ، ويقل خيره بشرهم ، فهو وحكمه معهم على استقامة ما استقاموا ، وعلى اختلال إذا فسدوا(49) .

وقد ذكر حكماء السياسة للوزير صفات أهمها أن يكون : وافر العقل ، سليم الطبع ، معتدل الأخلاق ، مناسب الأفعال ، عالى الهمة ، قوى المنة ، سريع البديهة ، مقبول الصورة ، جزل الرأى ، صائب الفكرة ، كثير التجربة ، شديد النزاهة ، قليل الشره ، حسن التدبير ، تام الصناعة .. ويعقب عليها الماوردى قائلا : وهذه صفات كمال يوفق الله تعالى لها من شاء ، ويُسعد بها من الملوك مَنْ أحب(50) .  

وأما القضاة فلأنهم هم موازين العدل ، وتفويض الحكم إليهم ، وحراس السنّة باتباعها فى أحكامهم ، وبهم ينتصف المظلوم من الظالم فى رد ظلامته ، والضعيف من القوى فى  استيفاء حقه .
فإن قلّ ورعهم ، وكثر طمعهم ، فأماتوا السنة بأحكام مبتدعة ، وأضاعوا الحقوق بأهواء متبعة ، فكان قدحهم فى الدين أعظم من قدحهم فى المملكة ، وإضرارهم بالمملكة فى إبطال العدل أعظم من إضرارهم بالمتحاكمين إليهم فى إبطال الحق . قال أنوشروان : ما عدل مَنْ جارت قضاته ، ولا صلح من فسدت كفاته (51) .

ويذكر الماوردى أن مما تقتضيه السياسة فى اختيار القضاة ، بعد الشروط المعتبرة فيهم بالشرع ، أن يكون القاضى : حسن العلانية ، مأمون السريرة ، كثير الجد ، قليل الهزل ، شديد الورع ، قليل الطمع ، قد صرفته القناعة عن الضراعة ، ومتعته النزاهة من الشره ، وكفّه الصبر عن الضجر ، وصده العدل عن الميل . يستعين بدرسه على علمه ، وبمذاكرته على فهمه . لطيف الفطنة ، جيد التصور ، مجانبا للشبه ، بعيدا عن الريب ، يشاور فيما أشكل ، ويتأتى فيما أعضل . ثم يعلق قائلا : فلا معدل عمن تكاملها ، ولا رغبة فيمن أخل بها(52) .

وأما أمراء الجند ، فهم أركان الدولة ، وحماة المملكة ، والمدافعون عن حريم الرعية ، والمالكون أعنّة الجنود ، والعاطفون بهم على صدق نصرة الحاكم وموالاته . فإن استقامت له هذه الطبقة استقام له جميع أعوانه ، وإن اضطربت عليه فسد نظام تدبيره مع سائر أجناده ، لأنهم إلى طاعة أمرائهم أسرع ، ولقول زعمائهم أطوع . فإن خاف سطوة مَنْ به يسطو ، ولم يأمن جانب من به ينجو كان بملكه مغرورا ، وبنفسه مخاطرا . وقد قيل : إن الوفاء لك بقدر الجزاء منك .
والمعتبر فيهم : النجدة ، والحمية ، والوفاء ، والمودة ، وظهور الطاعة منهم ولهم ، ليكونوا بطاعتهم منقادين ، وبالطاعة لهم قائدين(53) .

 

وأما جباة الأموال فهم الوسائط بين الحاكم ورعيته . فإن نصحوه فى أمواله ، وعدلوا فى أعماله ، توفرت خزائنه بسعة الدخل ، وعمرت بلاده ببسط العدل . وقد قيل : فضيلة السلطان عمارة البلدان .
وإن خانوه فيما اجتنبوه من أمواله ، وجاروا فى ما تقلدوه من أعماله ، نقصت مواده ، وخربت بلاده ، وتغير عليه لقلة دخله أعوانه وأجناده ، وتولد منه ما يكون محل فساد . قال بعض العلماء : ظلم العمال ظلمة الأعمال(54) .

ثم إن هناك طائفة خامسة ، لا تقل عن تلك الطوائف الأربع بالنسبة إلى الحاكم ، وهى حاشيته الضيقة التى تتولى حراسته وخدمته فى مطعمه ومشربه وملبسه . وعلى الرغم من أن هذه الطائفة لا تختص بسياسة الدولة إلا أن أهميتها تكمن فى المحافظة على الحياة الخاصة للحاكم ، كما أنها ترجع أيضا إلى تواجدها معه فى كل الأوقات ، وتقترب منه أكثر مما تقترب أى طائفة من الطوائف الأربع الأخرى . لذلك فإن الماوردى يشدد كثيرا على الحاكم فى أهمية اختيار أفرادها ، ومتابعة أحوالهم بصورة مستمرة .

ويذكر الماوردى أن حكماء السياسة قد اشترطوا فى اختيار أفراد هذه الطائفة واحدًا من ثلاثة :
- من تربّى مع الملك ، وألفه منذ الصغر .
- من رباه الملك على أخلاقه .
- من رُبّى الملك فى حجره .

فإن هؤلاء يكونون غالبًا أهل صدق فى موالاته ، ونصح فى خدمته ، وعلو فى حفظه وحياطته(55) .
ومن أجل ذلك وجب أن يكون إحسانه إليهم أفضل ، وتفضله عليهم أظهر ، ويتولى ذلك بنفسه ، ولا يترك مراعاتهم إلى شخص غيره حتى لا يلجئهم إلى من يجتذب قلوبهم فيهيلوا إليه ، وحتى لا يكون تقلبهم وتنكرهم له على خطر .
الحذر من بعض الأعوان :

كما يدخر الحاكم المال لوقت الحاجة إليه ، كذلك ينبغى أن يدخر الأعوان الأكفاء ، لما قد يطرأ من ملمات ومصائب . لكن الماوردى يؤكد أن "العمل ليس بكثرة الإخوان ، ولكن بصالح الأعوان" لذلك فإنه يضع للحاكم قائمة بمجموعة من الأعوان الذين ينبغى عليه الحذر من تقريبهم إليه ، واستخدامهم بالتالى فى مناصب الدولة .

وهم على النحو التالى :


1- شرير مظاهر بالخير ، لأنه ذو نفاق ومكر .
2- مطّرح للدين والمراقبة ، لأنه قليل الوفاء سريع الغدر .
3- حريص شره ، لأنه ينسى باليسير ويطمع فى التافه الحقير .
4- مغرور ذو فاقة ، فإنه لا يصفو لمن لا يجبر فاقته ، ويسد خلته .
5- محطوط عن رتبة بلغها ، أو ممنوع من حقوق استوجبها ، وهو ساخط متنكر .
6- مهاجر بذنب لم يعف عنه ، ولم ينتقم منه ، فهو خائف حذر .
7- مذنب مع جماعة عفى عنهم وعوقب ، فصار موتورا .   
8- محسن مع جماعة جوزوا ومنه ، فصار محروما .
9- ذو كفاءة من حاسدين وأعداء قدموا عليه وأخر ، فصار حنقا .
10- مستضر بما ينفعك ، أو منتفع بما يضرك ، فلا يكون إلا مباينا .
11- مَنْ كان لعدوك أرجى منه لك ، فيكون لعدوك ممايلا .
12- مَنْ بغى عليه أعداؤه ، فسوعدوا عليه ، فتنتقل عداوته إلى من صار له مساعدا .

وهؤلاء جميعا ينبغى على الحاكم ألا يعين أحدهم ، ولا أقاربه . لأنه يكون معهم بين مراقبة مختلس ، أو مواثبة مفترس . وليحذر الحاكم من استقبالهم أو استدنائهم ، فإنه معهم على خطر من اغتيال أو احتيال (56) .

ومع ذلك ، فإن الماوردى يعود فيقول إن أسباب عداوة هؤلاء إذا زالت، صاروا كأصحاب السلامة ، وفى هذه الحالة يمكن التعامل معهم وتكليفهم بالأعمال . فكما أن الفاسد قد يصلح ، كذلك لا يبعد أن يفسد الصالح(57) .


اختلال الدولة : الأسباب والمعالجة :

يقرر الماوردى أن الاختلال الذى يحدث فى الدولة يكون ناجمًا عن أحد أمرين :
أ- من الزمان               ب- من الأعوان

أما خلل الزمان ، فقد يكون عن أسباب إلهية ، أو عن عوارض بشرية. ولبيان ذلك ، وكيفية تحمله ومواجهته ، ينصح الماوردى بما يلى :
إذا كان الخلل ناتجًا عن أسباب إلهية ، فينبغى أن يقابله الحاكم بأمرين :
الأول : أن يصلح سريرته ، وسرائر رعيته . وقد ورد فى الأثر : إذا جارت الولاة قحطت السماء . وقال على بن أبى طالب : من حاول أمرًا بمعصية الله كان أبعد لما رجا ، وأقرب لمجئ ما اتقى . والأمر الثانى : أن يتطامن (يخضع) للحادثات إذا طرقت ، ويتلطف فى تلافيها إذا هجمت      حتى تنجلى عنه وهو سليم من لفحتها ، معان فى شدتها ، فما عن أقضية الله صادّ ، ـ ولا عن أوامره راد . فالسلم فيها أسلم . ودفاع الله عنها أقوم(58) .
وأما الحادثات الناتجة عن العوارض البشرية من أفعال العباد ، فهى التى يساس فسادها بالحزم حتى تنحسم ، وبالاجتهاد حتى تنتظم ، فلا ينشأ الفساد إلا عن أسباب خارجة عن العدل والاقتصاد ، ولا تحسم إلا بحسم أسبابها. وهنا لابد للحاكم أن يبحث عن سبب الفساد ، فإن كان حادثا عن شدة وعسف وعنف حسمه باللين واللطف ، وإن حدث عن لين وضعف حسمه بالشدة والعنف . وكذلك ما عداهما من الأسباب تنحسم بأضداها . فإن حسم الداء بضده من الدواء .. وما يصعب من هذه السياسة إلا معرفة الأسباب ، فإذا عرفها وقف على الصواب ، وإن أشكلت عليه التبس عليه الصواب ، فتاه عن قصده ، وذهل عن رشده" (59) .


وأما بالنسبة إلى خلل الأعوان وتغيرهم فنوعان : أحدهما : أن يكون   ناتجا عن فساد تعدى إليهم من خارجهم ، والثانى أن يكون لفساد حدث منهم .
فإن كان تغيرهم بسبب فساد تعدى إليهم عوجلوا بحسم أسبابه قبل تفاقمها ، والإسراع بالعلاج هنا مهم جدًا ، لأن كل برهة تمضى تساعد على استحكام فسادهم حتى ينتهى إلى غاية لا يمكن استدراكها ، فإن حسم ما استحكم متعذر مستبعد . ويحاول الماوردى أن يرجع سبب هذا الفساد إلى واحد من ثلاثة أسباب .
-إما أن يكون لتقصير بهم ، فيتم استدراكه بالتوفر عليهم .
-وإما أن يكون لعدوان عليهم ، فيتم استدراكه بالكف عنهم .
-وإما أن يكون لمفسد أطمعهم .. وهذا أخبث الثلاثة . لأن الطمع مصيدة للعقول ، ومفسدة للقلوب . وقد روى عن الرسول r : استعيذوا بالله من طمع يؤدى إلى طبع(60) .

وأما تغير الأعوان لفساد حدث منهم ، وعدلوا به عن الاستقامة ، وزالوا عن أحوال السلامة ، فهذه هى المصيبة الكبرى . وهنا يبين الماوردى الفرق بين الفساد الطارئ على الأعوان من الخارج ، والناشئ من ذواتهم : بأن الطارئ منفصل ، والناشئ متصل . ونكاية المتصل أبلغ من نكاية المنفصل . كذلك فإن الفساد الطارئ ظهر قبل حلوله فيهم ، فأمكن الاسراع بعلاجه ، أما الناشئ منهم فلم يظهر إلا بعد استحكامه فيهم ، وتمكنه منهم ، فتعذر تعجيل استدراكه . وهنا يلزم البحث فى تفصيلات كل حالة ، لمواجهتها بالعلاج الذى يناسبها(61) .

وانطلاقا من ذلك ، يضع الماوردى قاعدة عامة فى سياسة الحكم ، أو الملك على حد تعبيره ، مبينا أنه يساس بثلاثة أمور :
- بالقوة فى حراسته وحفظه .
- بالرأى فى تدبيره وانتظامه .
- بالمكيدة فى إضعاف أعدائه .

وعلى هذا تكون القوة مختصة بالعقل ، والرأى مختصا بالتدبير . وهما (أى العقل والتدبير) مطلوبان فى جميع الأحوال والأعمال .

والواقع أن الحكم – كما يقرر الماوردى – يتردد بين ثلاث أحوال :
- حاله الأولى وتتضمن تثبيت قواعده .
- حاله الثانية وتشمل تدبير الرعية .
- حاله الثالثة وتختص باستقامة الأعوان .
أما الحال الأولى التى تتضمن تثبيت قواعد الحكم فهى على مرحلتين :
مرحلة ما قبل استقرار الحكم عند المنازعة فيه والمحاربة عليه ، وعندئذ يساس بالأمور الثلاثة :
- بالقوة فى حراسته والدفاع عنه حتى تستقر قواعده .
- بالرأى فى تدبيره حتى ينتظم على اعتداله .
- بالمكيدة فى انتهاز فرصته ودفع شروره ومفاجآته .
وأما المرحلة الثانية التى تكون بعد استقراره فى السلم والدعة ، فيساس بأمرين :
- بالقوة الحافظة لقواعده المستقرة .
- بالرأى الجامع للسياسة العادلة .

ومن الغريب أننا نجد الماوردى يشير هنا إلى أنه "لا حاجة إلى استعمال المكيدة فيه عند السلم والموادعة"(62) . ومن جانبنا يمكن أن نتساءل عن أى نوع من المكيدة يشير إليه الماوردى ؟ وإذا كان استعمال المكيدة جائزًا مع أعداء الدولة ، وخاصة فى حالة الحروب ، فإن الإشارة إليها فى سياسة الحاكم مع المحكومين هو الذى يستحق التوقف عنده ، والسؤال عن مكان هذه المكيدة فى النظام الأخلاقى الذى جعله الماوردى أساسًا للنظام السياسى أو مواكبا له .
أما الحال الثانية فى تدبير الرعية ، فنوعان :
أحدهما : حالهم فى السلامة والسكون ، فيساسون بالرأى ، وحدة المحافظة ، لتدبيرهم على السيرة العادلة .
والثانى : حالهم فى الاضطراب والفساد ، فيساسون بأمرين : الأول : بالقوة فى كف مفاسدهم ، وكف الفساد عنهم ، والثانى : بالرأى فى تدبير أمورهم على السيرة العادلة . ومرة أخرى يؤكد الماوردى أنه "لا وجه لاستعمال المكيدة فيهم، لأن حقوق الأموال مستمدة منهم ، فإن كيدوا (أى استخدمت معهم المكيدة) صار الملك بهم مكيدا ، فكان الضرر عليه أعود ، والفساد فيه أزيد" (63) .



أحوال الحاكم مع المحكومين :


يقسم الماوردى – من الناحية النظرية ، وبصورة أدق : من الناحية المنطقية – أحوال الحاكم مع المحكومين إلى أربعة أقسام . والهدف من هذا التقسيم كما يقول هو الوقوف من تفصيلاته على أسباب الصلاح ومواد الفساد فى سياسة الدولة .

القسم الأول : حاكم صلحت سيرته واستقامت رعيته ، فأعين على صلاح السيرة باستقامة رعيته ، وأعينت الرعية على الاستقامة بصلاح سيرته، فهذا هو العدل منهما . فصارت السعادة شاملة لهما .  وقد روى عن الرسول r ، قال : "خير أمرائكم الذين تحبونهم ويحبونكم ، وشر أمرائكم الذى تبغضوهم ويبغضونكم"(64) .

القسم الثانى : حاكم صلحت سيرته وفسدت رعيته ، فقد أضاعت الرعية بفسادها صلاح حاكمها ، وخرجوا من سكون الدعة إلى زواجر السياسة، فاحتاج إلى تقويمهم بالشدة بعد لينه ، وبالسطوة بعد سكونه ، ليقلعوا عن الفساد إلى السداد فليكف عنهم ، والعدل فى الحالين مستعمل معهم ، لأن الزجر تأديب ، والرهبة تأديب . قال بعض العقلاء : لا تعادوا الدول المقبلة ، فإنكم تدبرون بإقبالها (65) .

القسم الثالث : حاكم فسدت سيرته واستقامت رعيته .  فإن استدرك صلاح ملكه بعدل سيرته وصحة سياسته ، وإلا تطاولت عليه الرعية بقوة الاستقامة ، وكان معهم بين أمرين . أحدهما : أن يصلحوه حتى يستقيم ، فيصير مأمورا بعد أن كان آمرا ، ومقهورا بعد أن كان قاهرا ، وتزول هيبته ، وتبطل حشمته ، ولا يبقى له من الملك إلا اسم مستعار قد استبقوه تفضلا . وقد قيل : مَنْ كثر تعديه كثر أعاديه ! والثانى : أن يعدلوا إلى غيره فيملّكوه عليهم فيكونوا له أعوانا إن نوزع ، وأنصارا إن قورع ، فيصير بفساد سيرته مزيلا لملكه ، ومعينا على هُلْكه(66) .

القسم الرابع : حاكم فسدت سيرته وفسدت رعيته ، فاجتمع الفساد فى السائس والمسوس ، فظهر العدوان من الرئيس والمرؤوس ، فلم يتقاصر عن فساد ، ولا دعا إلى صلاح ، فخرجت الأمور عن سبل السلامة ، وزالت عن قوانين الاستقامة . يقول الماوردى مؤكدًا أنه : لاثبات لمُلْك زالت عنه السلامة، وعدمت فيه الاستقامة ، وهو معرض دائمًا لثائر يتحفز ، وقاهر ينتقم . قال اردشير : بمثل هذا الملك وهذه الرعية تختم الدول ، وتستقبل الفتنة ، وتدال الدهور(67) .
وهكذا تبدو العلاقة وثيقة ومتبادلة دائمًا بين صلاح الحاكم وصلاح المحكومين . والعكس بالعكس . لكن مسئولية الفساد تقع فى المقام الأول على الحاكم الذى تؤدى سياسته إما إلى ضبط الأمور أو اختلالها . ومن المعروف أن سياسة الحاكم يقوم على تنفيذها طوائف من الأعوان ، وهؤلاء لابد أن يتم اختيارهم أولاً بكل دقة ، ومتابعتهم بعد ذلك بكل يقظة ، لأن صلاحهم يعود إليه، وفسادهم يرجع عليه .
وتقوم السياسة الرشيدة للدولة على مبدأين ، ينبغى على الحاكم أن يلتزم بهما ، ويعمل فى كل لحظة على تطبيقهما ، وهى الحزم والعدل . وفى نص من أروع نصوص الفكر السياسى فى تاريخ المسلمين ،

 

يقول الماوردى :
"إذا أحكم الملك قواعد ملكه باستعمال الحزم وبسط العدل ، ولم يغفل عن الحزم فى صغير ولا كبير ، ولم يترخص فى الجور فى قليل ولا كثير أحاطت السلامة بملكه ، وحفت السعادة بدولته ، فأمن غواثل الفساد ، وسلم من ظهور الفساد ، وكان الناس معه بين حامد لعدله وإحسانه ، وحذر من بأسه وسلطانه ، فشكره الأخيار ، واتقاه الأشرار ، ولم يتطرق إلى ملكه خلل ، ولا على نفسه وجل . فصح أن الحزم والعدل أدفع لشوائب الملك ومخاوف الملوك من كل عُدة ، وأبلغ فى صلاحهم من كل نجدة ، فيستنجد للملك حزمه ، ويستعد له عدله ، فإنه يستغنى بهما من كل عدة ، ويستعان بهما فى حراسته من الخطر، وحفظ ملكه من الغِيَر" (68) .

إن مسئولية الحاكم تفوق مسئولية أى موظف فى الدولة ، وإنه إذا كان هذا الأخير مسئولاً عن وظيفة محددة ، فإن الحاكم مسئول عن حسن سيرة جميع موظفى الدولة ، الذين هم أعوان له فى تطبيق سياسته . لذلك يلزمه أن يتصفح أحواله حاشيته وأعوانه فى زمان السلم وأوقات السكون . وعلى الحاكم الرشيد أن يدرك أن فساد كل طائفة من أعوانه لا يقتصر عليها وحدها بل يتعداها بالضرورة إلى سائر المحكومين . كذلك ينبغى أن يكون الحاكم كثير الاعتناء بسيرة ولاة الأطراف (حكام الأقاليم) وهنا لا يجب أن تتوقف مسئوليته عند حسن اختيارهم ، بل لابد من متابعة عملهم ، وتعاملهم مع المحكومين ، الذين استرعاه الله تعالى أمانتهم .

 

ثم على الحاكم الرشيد أن يحفظ مراتب أعوانه ، وينزل كل واحد منهم المنزلة التى يستحقها بكفايته وحسن أثره . وذلك لئلا يطمح فى مكانة أعلى مَنْ هو أقل كفاءة . يقول الماوردى : وليس كل من تعظم بعظيم ، ولا كل من تنسك بناسك ، ولا كل من تسوّد بسيد"(69) ويقول أيضا : "لا خير فى مملكة صار الرؤوس فيها أذنابا ، والأذناب فيها رؤوسا" (70) .

 

وإذا كان من المستحب نقل الجنود من ولاية إلى أخرى حتى لا يستقر بهم وطن ، فإن من الحكمة عدم نقل الوالى الذى يجيد عمله من مكانه . فإن أتى بمعصية أو خيانة صرف صرفا لا ولاية بعده – إلا عن توبة وإقلاع . وهنا بين الماوردى سرًا هاما من أسرار خلل أمور الحكم والسياسة ، فإن الولاة إذا علموا أنهم عندما يخطئون ينقلون ، فإنهم يسرعون فى بداية حكمهم إلى استغلال نفوذهم ، وتكثير مكاسبهم لكى يتمتعوا بها فيما بعد . وعبارة الماوردى هنا أن "الأعمال لا تلبث أن تخرب بمناهبة العمّال" (71) .


المخابرات وأهميتها للحاكم :

يقرر الماوردى أن الحاكم "لا يقدر على رعاية قوم تخفى عليه أخبارهم، وتنطوى عنه آثارهم"(72) والأسوأ أنه قد يظن أن استقامة الأمور لا تخفى تمويه الخونة ، وتربص الأعداء . وهنا قد يبدو الشر فى بدايته بسيطا ثم ما يلبث أن يتعقد ويستحكم ، وقد يكون الضرر فى أوله ضعيفا ثم ما يلبث أن يقوى ويستشرى – وقد قيل بحق : إن كبار الأمور تبدأ صغارا .

لهذا كان على الحاكم الحصيف ألا يذهب عليه صغير ولا كبير من أخبار رعيته ، وأمور حاشيته ، وسير خلفائه ، والنائبين عنه فى أعماله بمداومة الاستخبار عنهم ، وبث أصحاب الأخبار فيهم سرا وجهرا .
ويضرب الماوردى المثل فى الاهتمام بأمر الاستخبارات بأردشير من آل ساسان ، وبالخليفة الثانى عمر بن الخطاب : فلم يكن فى طلب الأجناد أشد بحثا عنها منهما .. فإنه كان علمهما بأحوال العامة كعلمهما بأحوال الخاصة ، وعلمهمها بمن بعد كعلمهما بمن قرب منهما ، وبه استقامت سيرتهما ، وظهرت حرمتهما (74) .

إن الحاكم الحصيف إذا كان باحثا عن الأخبار ، مطلعًا على غوامض الأسرار ، استطاع أن يجمع فى الاستخبار بين "معروف مجاهر" يكون به فى الناس محذورا ، وبين "مجهول مساتر" يصير به واثقا خبيرا ، بحيث لا يتعارفان فيتواطآن . وحينئذ ينكشف له غطاء الغفلة ، وتنجلى له شُبه الحيرة ، فيسوس الأمور بثقته وبصيرته ، ويحرس الرعية بيقظته وصدق عزيمته ، فيقدم أعوانه على فعل الخير ، ويجتنبوا قبح المكاسب ، وتثق الرعية فى كف المعتدين عليها فتأمن(75) .

 

ويصل الماوردى إلى حد جعل المعلومات الواردة من الاستخبارات هى المؤانسة بالنسبة للحاكم : يلتذ بغرائبها ، ويستمد فوائدها . ويستشهد بقول المنصور : "عجبت للسلطان الذى لا يتخذ بقراءة الأخبار لهوًا ، بماذا يلهو ؟! وللمدبر الذى لا يعلم ما حدث فى عمله كيف يمضى تدبيره ؟!" وبالطبع ليس المقصود هنا أن تكون المعلومات مجرد ملهاة يتسلى بها الحاكم فى قضاء وقت فراغه ، وإنما ينبغى أن يخصص لها جزءًا من وقته للوقوف منها على أحوال السياسة فى بلاده ، لكى يصحح فاسدها ، ويقوم ما كان معوجًا منها .

 

وينبه الماوردى إلى ضرورة العناية بأخبار مَنْ بعد عن حضرة الحاكم بنفس القدر من العناية بأخبار من قرب منها ، بل ربما كان الأبعد أهم ، لأن يُعْد الدار يبسط أيدى الظلمة . فإذا وافق بعد دارهم قلة الاستخبار عنهم أمنوا فى اتباع أهوائهم ، وانبسطوا فى مذموم أفعالهم .

 

ويحذر الماوردى من إعطاء الحاكم ثقته المطلقة فى شخص يكون فى البداية مستحقا لها ، لكنه لا يدرك أن "تقلب الزمان" يغير أهله ، فربما أفسد الصالح ، وأصلح الطالح . فما تبقى الدنيا على حالة ، ولا تمنع من استحالة . لذلك ينبغى المداومة على الاستخبار عن كل أعوانه فى كل أحوالهم . وعمومًا ينبغى ألا يؤاخد بمجرد الظن ، ولا يعاقب إلا المستحق(76) .

 

لكن إذا كانت المخابرات لازمة لنجاح سياسة الحاكم فى الداخل ، فإنها تصبح ألزم بالنسبة للخارج . وهنا ينبغى على الحاكم أن يراعى أخبار ما تاخم (جاور) بلاده من بلاد ، يتصل به خيرهم وشرهم ، ويعود عليه نفعهم وضرهم، لأن الصلاح والفساد يسريان فيما جاوروه .

 

إن خطورة العدو الخارجى تكمن فى أنه يظل منتظرًا أو متوثبا لأى لحظة غفلة ، أو فترة إهمال وتراخ من جانب الدولة فيندفع بكل قوته للانقضاض عليها . فإن للغفلات – كما يقول الماوردى – فرصًا ينتهزها المتيقظ من اللاهى ، ويدركها المتحفظ من الساهى ، لأن الفرصة لمن واثبها بحزمه وسابقها بعزمه .

 

وهنا ينبغى على الحاكم الرشيد والحصيف أن يستدفع بوادر الغفلة بالاستخبار ، ولا يغفل فيستغفل ، ليحرس ملكه ، ويحوط رعيته ، فإنه لم تطل مدة الملك إلا لمن يتيقظ ويتحفظ(77) .
وأخيرًا يورد الماوردى ما ورد فى مواعظ الملوك من أن الملك تطول مدته إذا كان فيه أربع خصال :
1- أن يرضى لرعيته ما يرضاه لنفسه .
2- ألا يسوف عملاً يخاف عاقبته .
3- أن يجعل ولى عهده مَنْ ترضاه رعيته ، لا من تهواه نفسه !
4- أن يفحص عن رعيته فحص المرضعة عن منام رضيعها(78) .
وهذه الخصلة الرابعة تحمل من الدلالات ما لا يمكن أن تستوعبه عشرات الصفحات .
خاتمـة :
سوف نحاول فى هذه الخاتمة الإشارة إلى أهم مزايا تصور الماوردى لسياسة الدولة الرشيدة ، معقبين بعد ذلك ببعض الانتقادات التى يمكن أن توجه إلى هذا التصور من واقع العصر الحديث .


وبالنسبة إلى المزايا ، فأهمها :


أولاً : ينبغى أن يحسب للماوردى إبداعة لفكرة قيام نظام الحكم فى الدولة على عنصرين : تأسيس ، وسياسة . والفارق بينها هو الفارق بين أساسات البناء ، وبين البناء نفسه . فالتأسيس يعنى قيام الحكم على الدين أو القوة أو المال .. ثم تأتى بعد ذلك السياسة التى تعنى أسلوب التعامل مع مكونات الرعية بمن فيهم من الأعوان ، وكيفية التصرف فى مختلف المواقف التى تعرض للدولة ، وإذا أردنا تقريب هذه الفكرة استحضرنا ما يسمى بالمبادئ الحاكمة للدستور ، وبين مواد الدستور نفسه ، والقوانين الفرعية المنبثقة منه .

ثانيًا : يتوصل الماوردى إلى قانون بداية الدول ثم استقرارها وأخيرًا انهيارها مبينا خصائص كل مرحلة على النحو التالى :
- أن الدولة تبتدئ بخشونة الطباع وشدة البطش ، لتسرع النفوس إلى الطاعة .
- ثم نتوسط باللين والاستقامة لاستقرار الملك وحصول الازدهار .
- ثم تختم بانتشار الجور وشدة الضعف لانتقاض الأمر وقلة الحزم .
وهذا هو القانون الذى سوف نجده فيما بعد لدى ابن خلدون ، لذلك فإننا نهيب بالباحثين ضرورة دراسة الماوردى وابن خلدون معا .

 

ثالثًا : تحسب للماوردى تلك التفرقة الهامة بين الريف والحضر ، وخاصة فى ضرورة معاملة كل منهما بأسلوب مناسب . ومن المقرر أن ما يصلح لأحدهما قد لا يصلح للآخر ، نظرًا لاختلاف طبيعتهما من حيث الانتاج، وكثافة السكان ، ومتطلبات العمل والسكن .


رابعًا :
أن الحاكم الرشيد يمكنه أن يصلح أحوال شعبه . ولكن ذلك بشروط أولها اصلاح ذاته أولاً ، ثم حسن اختيار أعوانه بدءًا من الوزراء والقواد .. وانتهاء بالحاشية الأقرب له . وفى كل ذلك لابد من المتابعة اليقظة، وعدم اعطاء الثقة فى كل الأحوال .

 


خامسًا :
أن السياسة الرشيدة للدولة لابد أن يتحقق فيها أربعة أوجه  هى : الرغبة والرهبة والإنصاف والانتصاف ، وهى ترجع إلى مبدأين رئيسيين هما : الحزم والعدل .


سادسًا :
أن التفصيلات الدقيقة والواقعية لأسباب اختلال الدولة تقدم فى مجموعها نظرية سياسية متكاملة ، خاصة وأن الماوردى يبين فيها كيفية تدارك الخلل تبعًا لمصدره وحجمه وطبيعته .


سابعًا :
يؤكد الماوردى أنه لا يمكن لآى حاكم أن ينجح فى سياسته دون أن يكون على وعى كامل ودقيق بأحوال شعبه ، وأخبارهم . ومن هنا أفاض فى الحديث عن نظام المخابرات وأهميته للحاكم ، ولاستقرار الدولة وحفظها من أى شر يحدق بها سواء من الداخل أو من الخارج .


ثامنا :
أن حديث الماوردى فى السياسة يتميز بجمعه بين الطابع المعيارى (ما ينبغى أن يكون) والطابع الواقعى (ما هو كائن بالفعل) . ومن هنا كانت آراء الماوردى متسمة بصواب الحكم ، وبعد النظر . وقد ساعده على ذلك أمران : ثقافته الواسعة بالتراث السياسى العالمى ، وتجربته الخاصة فى مجال السياسة فى عصره عندما كلف بالسفارة بين حكام عصره .


تاسعًا : أن كثيرًا مما ذكره الماوردى (ت 450) فى المجال السياسى يعد أساسًا ومرجعا لما سوف يتوصل إليه ابن خلدون (ت 808) فيما بعد ، ويقدمه فى صورة قوانين خاصة بالعمران البشرى ، ومنه قيام الدول وسقوطها.


وأما بالنسبة إلى الانتقادات ، التى يمكن من جانبنا أن نوجهها إلى الماوردى ، فسوف نقتصر منها على الثلاثة التالية :

أولاً : أن الماوردى يركز غالبا ، بل دائما على فكرة صلاح الحاكم ، ويرى أنها تؤدى بالضرورة إلى صلاح الرعية . أى أن السياسة لديه تسير فى اتجاه هابط ، من أعلى إلى أسفل ، وبالتالى فإنها تكاد تغفل تماما دور الشعب الإيجابى ، وإمكانية مشاركته فى صنع تلك السياسة أو تعديلها إذا لزم الأمر .

ثانيًا : أن الماوردى لا يتعرض لأسلوب اختيار الحاكم ، ولا إلى كيفية إجراء البيعة ، التى تعنى موافقة الشعب عليه . وهو يتعامل مباشرة مع حاكم وصل بالفعل إلى الحكم ، ويعتبر ذلك نعمة من الله تعالى ، بل هى من أعظم النعم الإلهية التى تستحق مقابلتها بالشكر ، والعمل المتواصل على مراعاة أصولها .

ثالثًا : لا نكاد نجد عند الماوردى إشارة واحدة إلى مساءلة الشعب للحاكم فى وظيفته التى تتعلق بمصالح الناس . والسبب بسيط للغاية ، هو أن الشعب لم يأت بهذا الحاكم فكيف يسائله ؟! والواضح هنا أن الحكم إما أن يسقط على الحاكم من خلال نظام التوريث الذى كان معمولاً به فى واقع الدول الإسلامية المتعاقبة ، ومسكوتا عليه من جانب الفقهاء ، وإما أن يتم انتزاعه من حاكم آخر بالقوة العسكرية المطلقة ، وهو ما أطلق عليه حكم التغلب ، ولم يكن هو الآخر يجرى عليه اعتراض أو معارضة .

ولتفسير ذلك – دون تبريره – يمكن القول بأن النظام السياسى الذى كان سائدًا فى العالم كله ، ومنه العالم الإسلامى ، لم يكن قد عرف بعد أساليب الحكم الديمقراطية ولا الاشتراكية التى يتم فيها اختيار الحاكم بالانتخاب الحر ، ثم مساءلته بعد ذلك أمام برلمان منتخب أو مجالس شعبية منتخبة هى الأخرى ، كما أصبح يمكن الاعتراض على قراراته إما من خلال معارضة منظمة ، أو إضرابات واعتصامات ، أو ثورات شعبية عارمة .

 

لهذا – إذا كل ذلك غير موجود أصلا – لم يكن أمام أى مفكر سياسى سوى محاولة اصلاح ما هو موجود بالفعل . وهذا ما فعله الماوردى – قبل ألف عام من الآن – عندما اتجه إلى الحاكم بكل تلك النصائح المباشرة ، لكى يقوم بما ينبغى عليه من الحزم والعدل ، بهدف استقرار حكمه واستمراره أيضا، مؤكدا فى كل ما ذهب إليه على ضرورة إنصاف الرعية (الشعب) وحمايتها من أعوان الحاكم الجائرين ، وكذلك من أعداء الدولة ، وتحقيق العدل والرخاه الاقتصادى والاستقرار الاجتماعى لها .
وسوف يظل يحسب للماوردى أنه كان وسيظل من بين قلة قليلة جدا من المفكرين المسلمين الذين تناولوا المسألة السياسية ، وواجهوها بشجاعة نادرة ، وقاموا بتحليل عناصرها ، وبين أوجه القصور فيها ، منبهين الحكام إلى أخطائهم ، ومحاولين عن طريق "النصائح" الأخذ بأيديهم إلى تحقيق نظام سياسى رشيد يستلهم مبادئ الإسلام ، ويستجيب لتعاليمه .    







 

 

 

 

آخر تحديث الاثنين, 25 يوليو 2011 00:05