عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

من المؤلفات

  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
  • مؤلفات الأستاذ الدكتور حامد طاهر
   
 
التجربه الشعريه صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها Administrator   
الخميس, 30 مايو 2013 01:15

التجربه الشعريه

 

ا . د . حامد طاهر

 


منذ وقت طويل ، وانا احاول ان اكتب عن التجربة الشعرية باعتبارها اهم ما يميز الشاعر الحقيقى من غيره ، سواء من الناس او من زملائه الشعراء ، لكننى كنت اتهيب الكتابة عنها لسببين : اولهما علمى موضوعى ، يرجع لندرة ما كتب عنها فى نقدنا العربى القديم والحديث ، او بالاحرى الى سذاجته ، حيث كتبه نقاد غير شعراء ، او معلمو ادب فى المدارس ، لذلك جاء وصفهم للتجربة الشعرية سطحيا ومن الخارج ، وقديما قال الصوفية بحق : ان من ذاق عرف اما السبب الثانى فهو شخصى ، يرجع الى عدم عرض الموضوع من خلال تجربتى الشعرية التى لعلها الان ــ وقد مضى عليها اكثر من نصف قرن ـ تشفع لى فى تسجيل شهادتى او على الاقل انطباعاتى عن التجربة الشعرية ، وخاصة بعد ان قرات عنها الكثير فى النقد الاجنبى . وعموما فاننى آمل ان اكون واضحا فى عرض هذا الموضوع الغائم قدر الامكان النهضة .


وقبل ان احدد مفهوم وابعاد التجربة الشعرية ، اود فى البداية ان اشير الى ان الشعراء منذ وجدوا على ظهر الارض وهم يحاولون تفسير تلك " الحالـــة العجيبة " التى يشعرون بها اثناء كتابة قصائدهم . وبعضهم تجرأ فكتب قصائد باكملها عن تلك الحالة محاولا وصفها او رصد مظاهرها ، لكن عبثا .. لم يستطع احد منهم ان ينفذ الى صميمها ، ولا ان يطلعنا على :


متى وكيف تاتى هذه الحالة ؟


وهل تحدث عن قصد او استدعاء ؟ وما مدى ثقلها او ضغطها على الشاعر؟ ولماذا تتركه بعد ان يمر بها وهو شبه فاقد الوعى ، منهك القوى، ومع ذلك يكون سعيدا بذلك المخلوق الذى تكون بين يديه على الورق ؟!


ولعل تلك المعاناة التى تعتصر الشاعر فى حال كتابة قصيدته هى التى دفعت بعض الشعراء الى تشبيهها بمعاناة المراة الحامل فى حال وضع جنينها ، حيث تظل تتلوى وتصرخ وعندما يخرج الطفل ترتمى كالجثة الهامدة ، ثم لا يسعدها شىء فى الدنيا كما يسعدها رؤية وليدها ووضعه على ذراعها ! وقد احسن الشاعر الاسبانى لوركا حين شبه الشاعر بالصياد الليلى الذى يخرج متخفيا تحت جنح الظلام الى اعماق الغابة ، حاملا قوسه وسهامه ، ثم يجلس مختبئا بين الادغال ، حتى يسعده الحظ ، فيمر غزال فيصيده . وفى المقابل من ذلك، قد تمضى العديد من الليالى دون مرورغزال على الاطلاق ! والملاحظ انه فى كلا التشبيهين السابقين : وضع الجنين وصيد الغزال ، يوجد استعداد وتهيؤ ،وانتظاروترقب ، ورجاء ويأس ، حتى تحين اللحظة السعيدة او الحاسمة ، فيتم ما لا يمكن تصوره : طفل جميل ، او غزال رائع ، او قصيدة متميزة !


والان استطيع ان اقول : ان التجربة الشعرية عبارة عن حالة نفسية ووجدانية وايضا عضوية ، تستغرق كيان الشاعر كله ، ولا تكاد تستثنى اى عضو منه . وهو حين ينغمس فيها او يتلبس بها لا يستطيع الا ان يفعل ما تمليه عليه. والواقع انها تعصره عصرا، فيبدا فى الصراخ ، لكن صراخه لا يسمعه احد سواه ، وهو صراخ مكتوم يصاحبه البحث عن الكلمات التى يتوالى بعضها الى جوار بعض ، وكلما اقترب من نهايتها احس ببعض اللذة القاتلة، التى تشبه لذة تلقيح ذكر السرعوف للانثى ، بينما هى آخذة فى التهام راسه من الاعلى !


احيانا تستمر تلك الحالة حتى تنتهى القصيدة وهذا هو كمال تجليها للشاعر , وفى احيان اخرى تتوقف الحالة , ولم يكتب من القصيدة سوى نصفها او عدة مقاطع , وهنا يجد الشاعر انه وضع جنينا غير مكتمل وعليه ان ينتظر ليكمله , حين ورود الحالة او التجربة الشعرية فى وقت اخر. اما اذا حاول ان يكمل القصيدة , وهو فى حالة وعيه , اى فى حال يقظته الكاملة فانه يعرض نفسه للفشل , وقصيدته للسقوط , لآنها فى هذه الحالة تتحول الى نوع من النظم البارد ، الخالى من حرارة الابداع وتوهجه !


التجربة الشعرية تملك على الشاعر نفسه , وتكاد تحرمه لذة الطعام واسترخاء النوم . وليس لها وقت محدد لزيارة الشاعر , بل انها تطرق بابه فى اى وقت , وقد تتراءى له وهو بين اصدقائه واعز احبابه فيغيب عنهم , . ولا يلحقه منهم سوى التقريع والسخرية . كذلك فانها قد توقظه من النوم , وتتسلل الى احلامه , وقد تظهر احيا نا فى كوابيسه . ويبدو بالفعل انها تكافئ الشاعر الذى يمنح نفسه بالكامل لها , فتستحوذ عليه بكرم بالغ , اما الذين يبخلون عليها بالوقت والجهد والانشغال بامور الدنيا .. فانها كثيرا ما تحرمهم من مرورها الساطع .


ان الطابع الجبرى فى التجربة الشعرية هو الذى دفع الكثير من الشعراء الى ان يعتبروا ورودها عليهم ، او تجليها لهم نوعا من الالهام. والالهام فى حقيقته عبارة عن لمسة سماوية تصطفى بعض البشر فتجعلهم يأتون بأفعال أو اقوال تفوق قدرة امثا لهم , وتعلو على مستواهم . ومما يؤكد ذلك ان لدينا من الشعراء الملهمين من بدأ كتابة الشعر ذى المستوى العالى وهو فى عمر مبكر جدا , وحتى قبل ان يدرس او يطلع على مسيرة من سبقوه من كبار الشعراء .


لكن هذه اللمسه السماوية , التى يطلق عليها مصطلح الالهام ليست متساوية القوة والمقدار لدى كل الشعراء , بل ان كل واحد منهم يحظى منها بنصيب مختلف , ومع ذلك يمكن تصنيف الشعراء بحسبها الى ثلاثة اصناف :


1ـ شعراء ذوو مستوى عال

2ـ شعراء ذوو مستوى متوسط

3ـ شعراء ذوو مستوى متواضع


أما شعراء المستوى العالى فمنهم فى القديم المتنبى وفى الحديث أحمد شوقى ونزار قبانى , ومن شعراء المستوى المتوسط : أبو تمام والفرزدق قديما , والبارودى وحافظ ابراهيم حديثا , ومن اصحاب المستوى المتواضع فى القديم ابو العتاهيه وابن المعتز , وفى الحديث خليل مطران , واحمد زكى ابو شادى . اما الشعراء المعاصرون فسوف احجم عن التمثيل لهم حتى لا اغضبهم , او اثير حنقهم على , لكننى مع ذلك سوف اشير فى احد الهوامش الى عدد من الشعراء بلغوا ببعض قصائدهم اعلى مستويات الابداع الشعرى .


ومن عجائب الالهام فى التجربة الشعرية ان الشعراء هم الذين يدركون جيدا قيمة كل منهم حين يصغون اليه , لكنهم تعودوا عدم الاعتراف بذلك , وتدفعهم المكابرة فى الحق بان يتجاهلوا الشاعر ذا المستوى العالى ويحاولوا بكل الوسائل الغض من شعره , فان لم يستطيعوا بحثوا عن بعض العيوب فى شخصه . اما النقاد (من غير الشعراء) فقلما يدركون تلك اللمسة السماوية التى يتميز بها كبار الشعراء, ولذلك لا يتجاوز حديثهم عنهم اكثر من الوسائل الفنية فى انتاجهم الشعرى .


واقرب التجارب التى تتشابه مع التجربة الشعرية هى التجربة الصوفية , التى هى عبارة عن رحلة حياة كاملة, يخرج فيها الصوفى من علائق الدنيا , وروابط المادة .. الى حبه الكبير او عشقه الا كبر الذى يتعلق باهداب الحضرة الالهية , وهو فى اثناء تلك الرحلة الروحية و البدنية يعانى القلق والجوع والسهر , ويظل قلبه مترددا بين الخوف والرجاء , وخطاه شاردة فى الفلوات وبين المقابر ،الى ان تظهر له فى لحظه خاطفة لمعة نورانية تضئ حوله ظلمة الكون , وتفتح له نافذة الى عالم الملكوت . وهنا علينا ان نتخيل اى سعادة يشعر بها الصوفى ؟! واى اسرار علوية يكون قد تحصل عليها ؟! ان اللغة بكل ما تملكه من الفاظ وتشبيهات لا يمكنها ان تعبر عن شئ من ذلك . كما ان الصوفى لايسعى لكى يتحدث الى الناس عن تلك الحالة التى تفوق ادراكهم . وهنا تبدا تجربة الصوفى تختلف عن تجربة الشاعر .


ان الشاعر بعد ان يمر بتجربته يختلف تماما عن الصوفى. فهو ما يكاد ينتهى من كتابة قصيدته تحت مصهرالتجربة الشعرية التى مر بها حتى ينهض متهالكا على نفسه لكى يبلغ الناس بما كتبه او بالاحرى لكى يطلعهم على مولوده الجديد . وما اسعده حين يستمع منهم الى كلمة اعجاب , او يشهد فى اعينهم نظرة دهشة ! وعلى الرغم من التشابه الكبير بين التجربتين فان الصوفى يخرج من تجربته متخفيا عن عيون البشر , ضننينا بما شاهده من تجليات , بينما يسعى الشاعر بكل قوته المتبقيه له بعد التجربة لكى يعلن ما توصل اليه على جميع الناس . والفارق هنا بين شخصين : احدهما يحرص على الكتمان , والثانى يسعى الى الافصاح .


اننى حتى الان احاول وصف التجربة الشعرية , وتقريب حقيقتها من الناحية النفسية والشعورية . لكن يبقى ان هذه التجربة تضع بين يدى الشاعر عدة أدوات ووسائل تصرف لكى ينجز بها عمله الشعرى . وقبل ان اتناول هذه الادوات والوسائل بالتفصيل لا ينبغى ان نغفل عن التجربه الحياتيه للشاعر ..فهو انسان يحب ويكره , ويحزن ويفرح , ويبكى ويضحك , ويصادق الناس وينخدع فيهم , كما انه قد يظلم او يشاهد الظلم الواقع على أهله وشعبه كقطع الليل , مما قد يدفعه الى التمرد او الثورة .. لكنه فى كل الاحوال مزود بعين دقيقة الملاحظة , ترى مالا يراه الاخرون من جزئيات وتفاصيل , وهو ايضا مزود بذاكرة تختزن ما تقدر عليه من المتفرقات , وعند الحاجه اليها يقوم الشاعر باستدعائها وازالة الغبار الذى يكون قد علاها , لكى يقدمها للناس بعد ذلك فى صورة جديدة فيفاجئهم بطرافتها وكانها لم تمر بهم من قبل .


أما الأدوات التى تضعها التجربة الشعرية بين يدي الشاعر فهى تتمثل فى مجموعتين أساسيتين : الكلمات , و الصور .


وبالنسبة الى الكلمات , فهى اللبنات التى يقيم منها الشاعر بناءه الشعرى , وهى مطروحة أمامه فى قواميس اللغة , و نصوص الكتب ، و أحاديث الناس من حوله , و حنكة الشاعر تكمن فى انتقائه من هذا الحشد الهائل المطروح امامه ما هو مناسب تماما و فقط للبناء الشعرى الذى يحاول اقامته . و هنا عليه أن يختار الكلمات بدقة , و أن يشذب منها اذا كانت بها زوائد , أو يكملها اذا كان فيها نقص .. و ليس كما ذهب نقادنا القدامى أن تكون الكلمات فصيحة بل الأهم أن تكون معبرة تماما عن الموقف الشعرى الذى تتطلبه القصيدة .


و اذا كان البحث عن الكلمات المناسبة من مقصود الشاعر و نتيجة لجهده الخاص , فان ا لتجربة الشعرية بما تحتوى عليه من عنصر الالهام الذى تحدثنا عنه , كثيرا ما تسعف الشاعر بوضع الكلمة المناسبة تحت قلمه و هو يكتب , و فى هذه الحالة لا يجد أمامه سوى أن يسجلها كما هى دون تعب او عناء . وفى المقابل من هذه الهدية الجميلة , قد يقضى الشاعر اياما وليالى وهو يبحث عن كلمة مناسبة لكى يضعها فى مكانها من البيت الشعرى او القصيدة فلا يعثر عليها , ومما هو جدير بالابتسام ان بعض واضعى القواميس العربية القدامى قد رتبوها حسب اواخر الكلمات لكى يساعدوا الشعراء على سرعة التقاط القوافى المناسبة لهم .. وهذا بالطبع ان صلح فى مجال النظم ، فانه لا يصلح فى فن الشعر الحقيقى على الاطلاق !


ويذهب النقاد الى ان كل شاعر له معجمه اللغوى الخاص به. وهذا خطا شائع . فالاجدر أن يقال ان كل قصيدة هى التى لها معجمها الخاص لأن الشاعر الحقيقى هو الذى يتجول فى مملكة الكلمات دون أن يحصر نفسه فى قصر واحد من قصورها . و هو عندما يكتب قصيدة ما , فانه يكون خاضعا بالكلية لمتطلبتها من الأصوات و الكلمات و الصور والمجازات .. الخ . و هو هنا أشبه بالصائغ الذى يصنع قلادة معينة , فيظل يبحث عن الجواهر التى تناسبها , و هكذا يتغير الحال فى كل مرة .


لكننى أود أن انبه هنا الى أن كلمات القصيدة ليست جزءا منفصلا عنها , فهى من صميم بنيتها الشعرية , و بالتالى لا ينبغى الحديث عنها وحدها , صحيح أنها من الكلمات المشاعة فى اللغة لكل انسان , و لكن الشاعر حين يستخدمها فى قصيدته تصبح كلمات شعرية , بمعنى أنها تحمل شحنتها الجديدة ,و تتناسق فى وضعها الجديد مع غيرها من الكلمات , و تعبر عن جانب أساسى من القصيدة تماما كما تعبر لمسة فرشاة الرسام بلونها الذى يختاره فى ركن معبر من اللوحة .


واما بالنسبة الى الصورالشعرية , فهى الاداة الثانية التى يتمايز بها الشعراء فيما بينهم . و قد يظن الكثيرون أن الصور الشعرية مرتبطة ارتباطا وثيقا بمستويات البلاغة التى تبدأ من التشبيه و تمر بالمجاز حتى تصل الى الاستعارة و الكناية , فضلا عن المحسنات البلاغية الأخرى التى أشبهها بأصباغ التجميل التى تغرق بها المرأة الساذجة وجهها فتخرجه عن حد الجمال الهادئ ! و مما يدل على خطأ هذا الظن أن بعض النماذج القليلة فى شعرنا العربى القديم , و الكثير من النماذج فى شعرنا الحديث ،قد وصلت الى درجة عاليه من النجاح دون الأعتماد على الزخرفة اللغوية , بل انها أعتمدت على رسم صورها الشعرية من المواقف الواقعية التى لها فى اذهان الناس وقلوبهم تاثيرات كثيرة ومتنوعة , وبذلك نجحت وتميزت .


ان الصورالشعرية ليست مرتبطه فقط بثقافة الشاعر , وانما بمخزونها الدلالى والشعورى لدى الناس . ولذلك فقد فشل تقريبا كل الشعراء العرب المحدثين الذين حاولوا استدعاء الاساطير القديمة (من التراث الاغريقى واليهودى والمسيحى ) من خلال استخدام اسماء بعض الابطال ,او الاشارة الى بعض الوقائع , وحيث لم يكن لها فى أذهان القراء المعاصرين أية دلالات حية , فان قصائدهم التى تحتوى عليها ما لبثت ان سقطت فوق الارض تماما , ولم ترفع قامتها حتى الان .


وكما قد تسعف التجربة الشعرية الشاعر بالصور الشعرية المناسبة تماما لقصيدته , فانها قد تتيح له ايضا امكانية رسمها بنفسه , وتركيب عناصرها من خلال مشاهداته الخاصة , او ثقافته , او من حياة الناس الذين يلتقى بهم , ويعيش معهم . وفى رايئ ان الصورة الشعرية هى بمثابة الالوان التى يضيفها الشاعر الى قصيدته المكونة اساسا من الابيض والاسود . وما اكثر الشعراء الذين لا يجيدون استخدام الالوان على نحو دقيق ومقتصد . فهناك من يتصور انه اذا ملا القصيدة بالصور الشعرية كانت أجمل , ولكن هذا تصور خاطئ . فاللون المناسب هو الذى تحتاجه القصيده فى مكانه المناسب.


وهكذا من خلال اختيار الكلمات , ورسم الصور , يستطيع الشاعر ان يتميز فى ابداع قصيدته , التى تمتد جذورها فى نفسه , وتظل كامنة حتى يدخل فى معترك التجربة الشعريه , التى تستثير كل طاقته , فيخرجها الى حيز الفعل .


وهنا أمر لابد من ملاحظته .وهو أن الشاعر ــ الذى يسبقه تراث شعرى طويل , ملىء بانجازات كبار الشعراء ــ عليه ان يستوعب ابداعاتهم من ناحية , وان يخط لنفسه من ناحية أخرى دربا جديدا , بحيث يكون ابداعه اضافة , وليس تكرارا .


ويظل اطارا الزمان والمكان هما اللذين تتحرك فيهما التجربه الشعريه .والشاعر هنا مضطر الى اختيار المساحة التى يوجد فيها داخل المكان , والفترة التى يتموضع فيها داخل اطار الزمان . ومن اهم العناصر التى لجأ اليها الشعراء فى تجاربهم عنصر الليل , وما يسوده من سكون , وما يضمه من كائنات حقيقية او متخيلة , وما يلمع فيه من نجوم او يعبر فيه من أطياف .


لماذا الليل ؟ لانه الفترة التى يجد الشاعر فيها نفسه , ويستطيع ان يستقبل او يواجه تجربته , ويتلقى ما تمنحه اياه من اصداف ولآلئ . انه يعتبر الليل مملكته التى يمكنه ان يتجول فيها كما يشاء , ويصرخ كما يحلو له , أو يبكى دون ان يلاحظ أحد .


والواقع ان كثيرا جدا من القصائد الجيدة كتبها الشعراء فى الليلاو تحت جنحه, وفى هيكله . ولعل صمت الليل هو الذى اتاح لهم الفرصة لكى يستخرجوا من أعماقهم ما لا يمكن اخراجه, وهم وسط ضجيج النهار ! لكن بعض الشعراء جعلوا ايضا من النهار ميدانا لاعمالهم الشعريه , ونجحوا فى ذلك الى حد كبير .


ومن بين الادوات التى تضعها التجربة الشعرية بين يدى الشاعر لكى يكون منها قصيدته : عناصر الطبيعة البكر ، بكل ما فيها من قوة وضعف ، كالبحار , والجبال , والاشجار , والغابات , وما يعيش فيها , او يطير فوقها .. وقديما قال الفلاسفة ان الانسان عالم صغير , كما ان العالم انسان كبير . ومازال هذا القول يحمل قدرا من الحقيقة , وخاصة بالنسبة الى الشعراء . فالعالم بظواهره الطبيعيه يكاد يعكس الانسان بأحاسيسه ومشاعره فأى فرق بين البركان الذى ينفجر من باطن الارض الملتهبة،وبين الغضب الذى يندفع من اعماق الانسان عندما يتم العسف به , او اهداركرامته ؟! واى فرق بين البحر الذى يزخر بالامواج العاتية ثم يهدأ فتصفو صفحته الزرقاء ، وبين حا لتى الهجر والحب ، التى يتردد فيهما الشاعر مارا بما يماثلهما من صخب وارتياح ؟!


كما تقدم الاصوات والروائح والالوان عناصر أساسية أو مساعدة فى رسم الصور الشعرية , وهو الامر الذى يضفى على القصيدة قدرا كبيرا من الحياة , أو ما يشبه الحياه الحقيقية . وهذا ما يجعلنا نميز بين الشعر الساكن او الراكد , وبين الاشعار الحية , التى كلما قراها الانسان حركت فى نفسه الكثير من المشاعر , واستدعت من ذاكراته تلك التفصيلات الدقيقة والحادة , التى قد تكون مر عليها زمن طويل , وهى منسية تماما او مهملة . ان الامثلة على ذلك فى ذهنى الان كثيرة , لكننى لا أريد ان اثقل هذا المقال بها , وحسبى ان اشير الى رؤوس الموضوعات التى يمكن لاى باحث ان يبسطها فيما بعد , ويملآها بالامثلة التوضيحية .


رسالة الشاعر :

ان الشاعر لا يمكن اختصاره فى قصيدة واحدة , او حتى فى ديوان واحد , وانما هو مجموع متكامل من القصائد والدواوين التى تغطى حياته بأكملها . وبالتالى فان الحكم النقدى عليه ينبغى ان يصدر من خلال هذا المجموع كله , وليس من جزء هنا اوهناك . وهكذا فان الحكم الموضوعى على الشاعر لايكتمل الا بعد وفاته, وحينئذ يمكن ان يقوم النقاد أولا بتحليل أعماله ودراستها , تمهيدا لوضعها فى مكانها الصحيح من تاريخ الادب المحلى أو العالمى .


ومما يؤكد صحة ذلك ان لدينا من الشعراء من بدأ حياته الشعريه منفلتا ولااخلاقيا وانتهى صوفيا , ومن بدأ غزليا خالصا وانتهى وطنيا مخلصا , لكن هناك بالطبع من التزم منذ البداية وحتى النهاية بطابع واحد , ظل يتطور فى نفس الاتجاه دون ان يحيد عنه .


وفى رايى انه لا قيمة لاى شاعر لا يحمل رسالة لمجتمعه او للانسانية كلها .وليس معنى ذلك ان تكون رسالة الشاعر متمشية مع السائد فى عصره من رؤى وأفكار ومشاعر , او مهدهدة لها , بل على العكس كلما صدم الرأى العام , وأقلق راحته من اجل ان ينطلق للامام , او يرتفع للاعلى .. كانت رسالته أعظم واروع . ان الشاعر الحقيقى على الرغم من انه الادرى بمواطن الجمال الحقيقى فى الكون ، فانه ايضا الادرى بمواطن الخلل فى نفوس البشر , ولذلك فانه يظل ينادى بأعلى صوته فيهم لكى يحسنوا من أنفسهم , ويخمدوا الحرائق التى تشتعل فى اعماقهم !


لقد كانت مبادئ الحق والخير والجمال ـ ومازالت ـ هى المصابيح المعلقة فى السماء , والتى يحاول الشعراء فى كل العصور ان ينزلوها الى الارض لكى تضئ حياة الناس , وتدفئ اعضاءهم المرتعشه من ليالى الالم والصراع والوحدة .


ـــــــــ

 

التعليقات (1)Add Comment
0
...
أرسلت بواسطة محمود ابراهيم حركات , ديسمبر 28, 2013
اريد كتب عن التجربة الشعرية ومفهومها

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
آخر تحديث الخميس, 30 مايو 2013 01:20